هل فرّ بدينهِ فعلاً؟

0

سعدية مفرح

أعادتني أخبار الهجرة واللجوء السوري إلى ألمانيا، هذه الأيام، إلى واحدة من حكاياتي المنسية في هذا الملف. وهي حكاية عابرة، تركت أمام عيني سؤالاً لم أتأكد من إجابته حتى الآن.

قبل سنوات، زارتني، في مكتبي، صحافية ألمانية شابة من أصل سوري، ولم أكن لأكتشف أنها سورية الأصل، على الرغم من حديثها معي بعربية ركيكة ولكنة شامية، لولا أنها أخبرتني بذلك. فملامحها أوروبية بعينين زرقاوين وشعر أشقر وبشرة وردية باهتة، وفقاً لصورة الفتاة الأوروبية النمطية. لكنها من غير سؤال مني، وأثناء إجرائها الحديث الصحافي معي عن الحركة الثقافية في الوطن العربي، قالت إنها تتابع مطبوعات ثقافية عربية كثيرة، وإنها تقرأ العربية بشكل أفضل من نطقها، واسترسلت أن هذا يعود إلى أصولها السورية، وتعلقها بثقافة والدها. هنا، فقط تبادلنا الأدوار، وبدأت بسؤالها عن والدها، ومتى انتقلت أسرتها إلى ألمانيا، لأعرف من أي جيل هي من المهاجرين. فاعتدلت في جلستها، وبدأت حديثاً أرادته كما يبدو جاداً ومعززاً بالتواريخ والأسماء. قالت إن والدها ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في سورية، ولم يكن ليترك وطنه، لولا ملاحقة النظام السوري الجماعة، بل وكل من تبدو عليه سمات الالتزام الديني المعتاد.

استرسلت ضيفتي في الحديث عن تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وعن صراعها مع حزب البعث السوري الحاكم، باعتبار الجماعة كانت أهم قوى المعارضة السياسية للنظام، وأكبرها عدداً وأقواها عدة. كانت الشابة التي نسيت موضوع مقابلتنا قد تفرّغت، الآن، للحديث بحماسة العارفين عن تاريخ والدها الذي ترك بلاده في منتصف الثمانينيات، بعد صدور قانون سوري يحكم بالإعدام على كل منتمٍ لجماعة الإخوان، ما لم يتراجع عن أفكاره. ولأن والدها رفض اقتراح بعض من حوله من أفراد أسرته التراجع، ولو بالشكل، كأن يحلق لحيته، أو يكتفي بالصلاة في البيت بدلاً من المسجد حتى لصلاة الفجر، فقد اضطر، أخيراً، إلى أن يغادر سورية متجهاً إلى ألمانيا، بعد محطة في قبرص وأخرى في لندن. “فر بدينه”. هكذا قالتها لي الألمانية، وهي تشعل سيجارتها الثالثة أثناء الحديث بتأثر واضح، جعلني أحاول تغيير مجرى الحديث والعودة به إلى الثقافة في الوطن العربي وسيادة قصيدة النثر على المشهد الشعري الراهن، وغيرها من موضوعات كنا قد بدأناها، ولم ننته منها.

توثقت علاقتي مع الصحافية الشابة بعد ذلك، سنتان تقريباً، فعرفت بعض تفاصيل حياتها التي كانت تعيشها على النمط الغربي، المتحرر تماماً، حتى إنها تعيش مع صديقها الألماني في شقة بلا زواج، وفقاً لنظام المساكنة الذي كنت أسمع عنه للمرة الأولى منها، وبهذا المصطلح العربي.

هل يعرف والدك نمط حياتك المخالف تعاليم دينه الذي فرّ به ذات يوم، حتى لا يضطر إلى حلق لحيته؟ سألتها يوماً، وهي تحكي لي عن واحدة من مغامراتها التي لا تنتهي، فقالت إنه بالتأكيد يعرف، وسعيد بي، وهو يرى تعلقي بالثقافة العربية التي درستها في الجامعة، حتى إنه يزورني أحياناً في شقتي التي أتقاسمها مع صديقي الذي سأتزوجه مدنياً، ويحدثه عن الإسلام على أمل أن “يهتدي”، قبل أن نتزوج.

بدا لي الأمر غريباً، وفانتازياً بعض الشيء، يومها. فهناك رجل فرَّ بدينه، حتى لا تحلق لحيته التي تميّزه ملتزماً بحذافير السنّة النبوية، وها هو الآن يعيش متوافقاً مع الثقافة الغربية، بكل اشتراطاتها وانفتاحها الذي لا يتواءم في كثير من جوانبه مع تعاليم الدين الإسلامي، لا بحذافيره وحسب، بل بعمومياته أيضاً.

هل فرّ ذلك الرجل، حقاً، بدينه كما أقنع نفسه، وأخبر ابنته التي رزق بها في منفاه؟ أم فرّ بحريته، وما توفره له هذه الحرية من حق في اختيار ما يشاء من عقائد وأفكار في الدين والدنيا؟ لستُ، هنا، لأقوّم أفكاره، ولا أفكار ابنته، ولا لأبدي اتفاقي أو اختلافي معهما، مجتمعين أم منفردين، لكنني أتساءل؛ كم نحن مخدوعون بما نريده حقاً، وما نظن أننا نريده؟ وهل تكفي الحرية مطلباً أولياً، لتنضوي تحتها مطالبنا الأخرى، بعيداً عن كل تفصيل مربك؟

 بالنسبة لي؛ نعم تكفي.

العربي الجديد

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!