جيش روسيا الأحمر في سورية .. لماذا؟

0

خاص للأيام _خليل المقداد

يبدوا أن إيران قد شارفت على الغرق في مستنقعات الدم العربي الموحلة، فهي ومذ إنخرطت وتسببت في سلسلة أزمات المنطقة التي نشأت نتيجة سياساتها الهادفة لإنقاذ مخططها التوسعي الحديث، قد وضعت كافة إمكانياتها المادية والعسكرية في خدمته وحركت أذرعها وخلاياها النائمة في العديد من دول المنطقة، ففرض حرب وجود على الشعوب العربية خاصة في العراق وسورية واليمن.

 

إيران ورغم مكابرتها وعنجهيتها، غارقة حتى أذنيها وباتت أمام خيارين: إما الانسحاب والتسليم بالهزيمة، وإما الزج المباشر بفيالقها العسكرية التي أعدتها “لتحرير القدس” كما تردد في شعاراتها صبح مساء، فهي ورغم توريطها لشيعة المنطقة في آتون حرب مدمرة خاسرة، لم تنجح في تحقيق أي إختراق أو نصر، اللهم الا ما يصرح به قادتها وخطباء جمعتها في طهران وقم، فلا جيش الأسد ولا مرتزقتها ولا مستشاريها العسكريون قادرين على إنجاز نصر حتى على مدينة صغيرة كالزبداني التي يدافع عنها بضع مئات من أبنائها.

 

من هنا فإن المعلومات التي طفت على السطح مؤخرا وتحدث عن إنخراط روسي في القتال إلى جانب الأسد هي نتاج تطورات وتعقيدات الأحداث في المنطقة والمأزق الذي وصلت إليه الأمور عسكريا وسياسيا خاصة على الساحة السورية، لكن مالا يمكن فهمه أو التنبؤ به بشكل صحيح هو مدى جدية الروس وإستعدادهم للخوض في المستنقع السوري, فحديث اليوم عن تدخل عسكري روسي مباشر في سورية هو إستثمار سياسي إعلامي لما تم كشفه من معلومات عن تزويد روسيا نظام الأسد بأسلحة وعتاد حربي حديثين, لكن الحدث الأبرز والمعلومة الأهم تمثلت في رصد جنود روس يديرون المعارك ويشغلون الآلة الحربية الروسية على الأرض, وذلك من خلال محادثات لاسلكية وصور لجنود روس ما عاد بالإمكان إنكار وجودهم.

 

إن التدخل الروسي المباشر اليوم لا يقتصر على الجنود والسلاح بل تعداه إلى إنشاء قاعدة برية تشتمل على مطار حربي ومخازن أسلحة ضخمة ومقرات لجنود روس يصل عددهم إلى بضعة آلاف وهو ما سيغير معادلة الصراع في المنطقة وسيضع روسيا في مواجهة مباشرة مع المسلمين السنة، وسيحيي الإندفاعة الجهادية الإسلامية باتجاه الشام بعد أن نجحت حكومات المنطقة في تقليصها إلى الحدود الدنيا.

 

روسيا لم تتعلم من أخطاء الماضي، وهي تبدوا اليوم أكثر غباء من ذي قبل، خاصة وأنها قد قبلت أن تتحول من مشروع دولة عظمى منافسة للولايات المتحدة، إلى أداة بيدها، وهنا سنجد أن روسيا قد فوتت فرصة رد الصفعة للغرب الذي دعم المجاهدين العرب والأفغان ضدها في أفغانستان، حيث كانت تستطيع ترك الولايات المتحدة تغرق في المستنقعين السوري والعراقي، لكنها لم تفعل، بل على العكس روسيا اليوم هي من يكرر الخطأ مرتان وتنزلق إلى مستنقع خرجت منه للتو الجيوش الأمريكية مهزومة ومنهكة.

 

ربما هو داء العظمة سيطر على بوتين فدفعه للإنخراط في الحرب على الشعب السوري، محاولا تحقيق أمجاد ينهي بها مسيرته السياسية الحافلة بالأحداث والإستبداد معا، حيث حول روسيا من بلد طامح للحرية إلى سجن كبير تكمم فيه الأفواه ويجري إسكات المعارضين فيه بطريقة أو بأخرى.

 

لقد سعت روسيا بوتين جاهدة كي تكون القطب الثاني في معادلة القوة العالمية، لكنها فشلت فانحسر دورها وتأثيرها في أسلحة دمار شامل تستخدمها كقوة ردع ورثتها عن الإتحاد السوفييتي وعملت على تطويرها كي تبقى دولة مرهوبة الجانب، لكنها وفي المقابل دولة ضعيفة إقتصاديا وتكنولوجيا ولا يمكن لها حتى منافسة الصين التي تمسك بتلابيب بيت المال لأمريكي من خلال شرائها لسندات الخزانة الأمريكية بمبالغ وصلت إلى تريليونات الدولارات التي جنتها الصين من إقتصاد قوي عززته صناعات متعددة باتت تنافس الغرب في عقر داره وتصدر له كل ما يحتاجه وبأرخص الأسعار.

 

روسيا بوتين المسكون بداء العظمة وأمجاد القياصرة الغابر تأبى إلا أن تجد لها موطئ قدم مؤثر في السياسة العالمية وإن على حساب دماء وأشلاء شعب يذبح منذ أكثر من أربع سنين، لم تكن كافية لإشباع رغبة الأسد وإيران في القتل، ولا تعطشهم للدماء، ليأتي القيصر المستبد بوتين فيكمل فصول المذبحة المفتوحة بتدخل عسكري يدعم فيه الجلاد ضد الضحية.

 

قد لا يختلف إثنان على أن جميع التحركات الروسية سياسيا وعسكريا وإعلاميا قد هجفت لحماية الأسد نفسه, وبعكس التصريحات التي تروج لها من أن هدفها هو الحفاظ على النظام السوري وليس على شخص الأسد, ويمكن إثبات ذلك من خلال أمرين, الأول: هو عدم جديتها في أي جهد سياسي قامت به فكل الذين شاركوا في منتديات موسكو بجميع نسخها هم من المعارضات المدجنة المحسوبة على النظام, أما الثاني: فهو الغطاء الأممي والعسكري الذي منحته للأسد من خلال ضمان تدفق السلاح والعتاد الروسي وضمان عدم محاسبته على جرائمه, وهكذا فإننا سنجد أن روسيا لم تحاول حتى الضغط على الأسد كي يتنحى ويفسح المجال أمام هيئة حكم إنتقالية تضمن الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات دولة يدعون حرصهم على حمايتها.

 

إن روسيا بوتين تبدوا في طريقها للإنخراط الفعلي في المعارك العسكرية على الأرض لكن من غير المرجح ان يحدث هذا التدخل على نطاق واسع رغم أنه حاصل فعلا وبات مرشحا للتصاعد ولكن بحسب تطورات الأحداث على الأرض، والتي لا يبدوا أنها تسير لصالح الأسد وإيران المنهكة التي باتت بحاجة إلى طوق نجاة وجدته في الشريك الروسي المتعطش للمجد والمال الذي وعلى ما يبدوا انه سيحصل عليه من مليارات إيران النفطية بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها.

 

روسيا اليوم ليست أكثر من مرتزق قبل ان يكون الأداة القذرة واللاإنسانية التي يحاول الغرب تفاديها بشتى الوسائل فسجل روسيا في حقوق الإنسان والحروب القذرة التي خاضتها ولا تزال أشهر من ان يتم إخفاؤها وأبشع من أن يتم تجميلها، هي حتى غير معنية بهذا الأمر، لكن ماهي دوافع هذا التدخل المباشر وإلى أي مدى يمكنهم الإستمرار في إندفاعتهم هذه؟

 

حتى نستطيع الإجابة على هذا السؤال لابد لنا من مناقشة وفهم جملة من الأمور لعل أهمها:

أولا: الحقيقة التي يجب ان نعيها هي أن الروس متفقون مع الغرب حول سورية تماما وكل ما يحدث من تحركات هو بتنسيق تام بينهما سواء كانت هذه التحركات سياسية أم عسكرية، وكل ما يشاع عن إستغراب الولايات المتحدة وتفاجئها بالأمر لا يعدو عن كونه مسرحية هزلية وتصريحات لذر الرماد في العيون، فمن يتابع تحركات أفراد وقادة التنظيمات المسلحة ويقوم باستهدافهم بين حين وآخر قادر على معرفة ما يدخل إلى سورية وما يخرج منها، إضافة إلى انه لا روسيا ولا غيرها يمكنه التصرف بمعزل عن صانع القرار الأمريكي.

 

ثانيا: روسيا كعادتها تعاملت بقصر نظر وعنجهية مع الشأن السوري، وكذلك بإستخفاف كبير مع الأطراف العربية، فكل ما قامت به من مبادرات لم يكن سوى لم شمل النظام بمعارضته المدجنة دون إشراك ممثلين حقيقيين عن الشعب السوري الثائر.

 

ثالثا: روسيا تدرك ألا فضاء لها ولا وجود في المنطقة إلا فيما يمكنها تحقيقه من إختراق في الشأن السوري من خلال تحالفها العضوي مع إيران ونظام الأسد والمراهنة في قدرتهم على إنهاء الصراع بالطريقة التي يرغبون بها.

 

رابعا: لقد خسر نظام الأسد خيرة ضباطه وعناصره ومعظم آلته العسكرية رغم تواضعها، ولم يعد قادرا على التعويض ولا تدارك النقص الحاصل فيها ولا يملك الوقت ولا الإمكانيات والأعداد اللازمة للتدرب على السلاح الروسي الجديد، حتى مع المدد الإيراني وآلته العسكرية المتهالكة بمعظمها والمنخرطة في العراق، وحتى مع الدعم الميليشياوي على الأرض لم يعد بالإمكان سد النقص الحاصل ولا التعويض عن القوة الجوية والأرضية الثقيلة المطلوبة.

 

خامسا: التدخل الروسي المباشر ربما يهدف إلى تجنيب إيران الإنخراط المباشر من خلال إرسال فرق عسكرية يمكن لها ان تستفز العرب والمسلمين وتدفع بهم للإنخراط في الحرب بل وحتى الإنقلاب على الأنظمة العربية التي ستحملها الشعوب مآلات ما يحدث من إنكسار وتشرذم رغم كل ما تملكه من إمكانيات.

 

سادسا: أثبتت الأحداث هشاشة جيش النظام وقلة خبرته أمام هجومات منظمة وخاطفة تشنها التنظيمات الجهادية التي نجحت في إحداث عدة إختراقات كان يمكن لها ان تحدث تغييرا جذريا على خارطة الصراع فيما لو قدر لها النجاح في الإستمرار على نفس الزخم والوتيرة، وبالتالي فإن إرسال روسيا لقوات برية وجوية جاء لسد الفراغ أمام هجومات ربما تكون وشيكة الحدوث.

 

سابعا: فيما يخص الصراع في اليمن فيمكن تفسير هذه الخطوة بأمرين الأول: السماح للسعودية بحرية الحركة في اليمن وإنهاء الصراع فيه بالطريقة التي تضمن أمنها سواء بتقسيم اليمن او جمع الأطراف المتصارعة في حكومة وحدة وطنية تتولى التصدي للخطر الجهادي، أما الثاني فيمكن تفسيره أيضا بمسألة ممارسة ضغط على دول الخليج العربي مؤداه اليمن مقابل سورية، وهذان التأويلان مرتبطان بنتائج المباحثات السعودية مع كل من موسكو وواشنطن، إضافة لما تمخضت عنه إجتماعات بوتين والسيسي وعبد الله وبن زايد الرباعية في موسكو.

 

ثامنا: وهو الأهم حيث يمكن تفسير الخطوة الروسية بما يتم تسريبه عن تفاهمات أوشكت على إنتاج هيئة حكم بمشاركة بعض الفصائل المسلحة الكبيرة بعد دمجها بمكون واحد أكبر سيعلن عنه قريبا ويكون مركزه دمشق وريفها وبحيث يغطي باقي المحافظات السورية لكنه بحاجة إلى غطاء سياسي وعسكري دولي يساعده على مواجهة التنظيمات الجهادية على الأرض خاصة وأن تحالف الستين حتى بعد سنة على تشكيله لم يستطع تحقيق شيء يذكر في حربه على تنظيم الدولة الإسلامية التي يبدوا انه لازال قادرا على التمدد والتقدم بثبات بإتجاه حمص والحدود اللبنانية وربما دمشق وما بعد بعد دمشق.

 

إن كافة المؤشرات تدل على أن هناك قرارات قد إتخذت ويجري تفعيلها وترجمتها إلى أفعال على الأرض وهو ما سينقل الصراع إلى مرحلة جديدة تعيد رسم خارطة التحالفات القائمة بين الفصائل والتنظيمات المسلحة وبحسب ما تقتضيه المرحلة، وهو ما سيخلق إصطفافات غير متوقعة تنهي وجود العديد من الفصائل الوطنية والإسلامية لجهة الشرذمة أو الإندماج على حد سواء، فالمرحلة المقبلة هي مرحلة الكبار، ومن يدري فلعل ما نشهده من تطرف قد يصبح قمة الإعتدال أمام ما يخبئه مقبل الأيام من عنف وتطرف كبيرين.

 

في أفغانستان وقف العرب والغرب مع المجاهدين ضد الإتحاد السوفييتي ودعموهم حتى بمضادات الطيران، أما في سورية والعراق فقد وقف الجميع ضد المسلمين السنة الذين بات عليهم ان يقرروا ما إذا كانوا يستحقون الحياة كأمة كريمة أو قطيعا من العبيد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!