مصير بشار بعد الاتفاق النووي

0
سامح راشد
قبل إبرام الاتفاق النووي الإيراني، يعلم القاصي والداني أن الشرق الأوسط بعده مختلف تماماً عمّا كان قبله. وبالفعل، على الرغم من أنه لم تمر أسابيع على إبرام الاتفاق، بل لم يتم إقراره نهائياً بعد في واشنطن ولا في طهران، فإن كل الأطراف تسعى إلى توظيف الاتفاق لتوسيع نفوذها، أو تصحيح أوضاعها. خصوصاً بعد انتهاء حالة التأزم التي سادت بعض بؤر التوتر الملتهبة في المنطقة، في المراحل الأخيرة من التفاوض. ومن أول الملفات التي تجسد هذا التحول الجذري في موازين القوى في المنطقة وحسابات أطرافها، الملف السوري. ومع أنه يبدو الأكثر تعقيداً وتشابكاً، إلا أنه، في الوقت نفسه، الأكثر قابلية للتطور والتجيير، وأيضاً الأكثر أهمية، إذ يؤثر في مجمل الأوضاع الإقليمية.
وعلى الرغم من أنه لا جديد يستحق في الوضع الميداني وتطورات القتال متعدد الأطراف في الأراضي السورية، شهدت الأيام القليلة الماضية تحركات مكثفة ومتزامنة من مختلف الأطراف المعنية. واللافت أن القاسم المشترك بين تلك التحركات هو السعي إلى تسوية للأزمة أو مخرج سلمي لها. أو على الأقل هذا هو الظاهر من مواقف الأطراف المختلفة، إذ ربما يكون لأحدها، أو بعضها، نيات غير معلنة لجهة البحث عن نهاية محددة، سلمية أو غير سلمية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن دولاً تدعم نظام بشار ترى الحل المطلوب في الإبقاء على بشار الشخص مرحلياً، وبشار النظام في المدى المتوسط. ما يعني مجاراة الأطراف التي تطالب بالإصلاح والتغيير، والتظاهر بأن التغيير يجب أن يتم في وجود بشار (شخصاً) وبمشاركته (نظاماً). هذا هو منطق معسكر بشار وداعميه، وكل من يرفع شعار الحفاظ على الدولة السورية من الانهيار والتفكك. ما لا يعلنه هؤلاء أن هذا المنطق يحمل في طيه مغالطة وتناقضاً بين الإقرار بضرورة التغيير والإصلاح وتسليم مقاليد الأمور في سورية إلى الشعب السوري، والانطلاق نحو هذا الهدف من أرضية استمرار المسؤول الأول عن كل ما جرى لسورية والسوريين في السلطة. وما يجري القفز عليه في هذا السياق، فإن كان الهدف الأساس هو التخلص من “نظام” بمشتملاته من مؤسسات وأشخاص وآليات وسياسات، فلا يستقيم أن يتم ذلك تحت عباءة ذلك النظام، وبإشراف مباشر من قيادته.
تلك المعادلة المتناقضة هي الصخرة التي تحطمت عليها كل محاولات إيجاد حل سياسي في سورية، أكثر من ثلاثة أعوام. منذ تفاهمات جنيف-1 التي صدرت في 29 يونيو/حزيران 2012، غير أن الحراك النشط والاتصالات المكثفة الجارية حالياً تشي بحلحلة الموقف لصالح أحد جانبي المعادلة. وإذا كان من المنطقي أن تصدر من طهران وموسكو وبعض العواصم العربية إشارات إلى ترجيح كفة بقاء بشار، وأن يقود المرحلة الانتقالية التي لا تزال تفاصيلها غامضة، فما يسترعي الانتباه ويستدعي التساؤل هو موقف واشنطن المائع، بين رفض ظاهري علني لاستمرار بشار، وإحجام فعلي عن أي تحرك عملي نحو إسقاطه. ما يمثل دعوة ضمنية لمعسكر تأييد بشار لمزيد من التشدد وترتيب الأوضاع، بما يخدم المصالح والحسابات المستقبلية لأعضائه. فبينما واشنطن “تتكلم”، تقرر موسكو نقل قوة قتالية محمولة جواً لتتمركز في الأراضي السورية، بالتنسيق مع دمشق وطهران. وذلك في خطوةٍ تكشف أن المسار السياسي الذي تتظاهر موسكو برعايته، ليس هو سقف الطموح السوري الإيراني الروسي. وأن الحل السياسي المزعوم لا تعويل حقيقياً عليه من الثلاثي وحلفائه. لذا، يجري الاستعداد لمعارك عسكرية مقبلة، قد تحتاج تدخلاً عسكرياً روسياً مباشراً، فضلاً عن الإيراني القائم من قبل.
يبدأ الاتفاق الإيراني- الغربي تجلياته من سورية، وما الميوعة الأميركية والصمت الأوروبي سوى بداية لمزيد من الخذلان والانكشاف لمواقف لم تتجاوز التصريحات الكلامية، منذ بداية الأزمة قبل أربع سنوات.
العربي الجديد
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!