المساواة، أرضية الوجود المشترك

0

خاص بالأيام||

د. سميرة مبيض باحثة و أكاديمية سورية
يتمايز البشر رغم تشابههم، و مصدر هذا التمايز هو خصوصياتهم الثقافية، دينية كانت أم عرقية أم لغوية أم غيرها و هي اختلافات تتراوح بين تفاصيل صغيرة في الحياة الى معتقدات و مفاهيم جوهرية تقود تكوين كل مجتمع.
فالى اي مدى تعيقنا هذه الخصوصيات الثقافية عن المقدرة على ايجاد حياة مشتركة بين مكونات مختلفة، و هل اختلافاتنا هذه هي سبب خلافنا حقاً؟ ان بحثنا فيما وراء الخلافات التي تقوم تحت عنوان اختلافات مذهبية أو عرقية نجد أن المحرك الأساسي يتعلق باختلال في ميزان العدل و المساواة، فسنجد غالباً فئات مظلومة لا تنال حقوقها تنتمي لمكون ما، مقابل مكونات تتمتع بالامتيازات و تسعى للاستئثار بها أو للتفرد بالسلطة و القوة و السلاح و السطوة بالاعتمادً على انتمائها العرقي أو الطائفي، بالإضافة لأشكال أخرى من الظلم الاجتماعي يجمعها حجة حاضرة هي الاختلاف بين مكوناتها.
هذا الاختلاف، الذي لن يزول يوماً مهما توسعت هيمنة العولمة، و الذي سنجده بانتقالنا من حي لآخر و من مدينة لأخرى و من بلد لآخر و بتنقلنا بين القارات ثم سنجده بتنقلنا بين المذاهب و بين الطوائف والقبائل الخ… هو اختلاف حي مستمر متغير يشكل تنوعنا الثقافي ثراء لحضارتنا البشرية و الأرضية الوحيدة التي تستطيع حمله هي المساواة فلن يشعر البشر بثقل لهذا الاختلاف ان كانوا متساويين بحقوقهم.
بالنظر من هذا المفهوم الى الأرض السورية، و التي تحمل بين زواياها الكثير من المكونات، و يحمل كل فرد فيها انتماءات مذهبية، مناطقية، لغوية…الخ تقطعت فيما بينها سبل التواصل و ازدادت انقساماتها بشكل يبدو معه و كأنها لم تكن يوماً على توافق. أصبح خلق هذه الأرضية للوجود المشترك ضرورة و ليس كمالية، لم يعد بإمكاننا الاعتماد على اعادة احياء تاريخ تعايش مضى فما قد فقد منذ أربعين عاماً يبدو أنه غير قابل لإعادة الإحياء، فهي أجيال نشأت في هذا المناخ المختل الذي أودى بنا الى ما نحن به اليوم. لم يعد السؤال هل سننجح بإنشاء مناخ مناسب للوجود المشترك، بل هو فرض البقاء ان شئنا أو فالاندثار و الدمار ضمن صراعات لن تنتهي بعشرات السنين.
المساواة هي لقب من ألقاب الحرية التي نادى بها السوريون، مساواة حقَّة لا تعني أن نستبدل الأدوار ليصبح المظلوم ظالماً و الظالم مظلوماً بل مساواة يجد فيها كل سوري حقه، دوره الكامل في مجتمعه، متمسكاً بهوية وطنية لا حاجة له لانتماء آخر يمنحه مميزات هي حق بديهي له. مساواة لا تفضل بناء المساكن العشوائية حول المدن عوضاً عن تنظيمها لتتسع للجميع، مساواة تضمن أن يتلقى جميع أبناء سوريا نفس مستوى التعليم على الأقل، مساواة تضمن تنمية جميع المناطق السورية عوضاً عن تهجير أهلها، مساواة تضمن حفظ الكرامة الانسانية للجميع. على أرضية كهذه لن يكون التواجد المشترك بين المكونات السورية مستحيلاً، على أرضية كهذه ستعود اختلافاتنا مصدر غنى و ليست مصدر موت.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!