عنق الزجاجة يرحمكم الله – بقلم فداء السيد

أموت وأعرف مُبتكر هذا التوصيف التاريخي: عنق الزجاجة … لأنني ولدت في عالم لا يتحدث إلا عن الأعناق: إما الأعناق المطأطأة, أو الأعناق المقطعة, أو الأعناق المعلقة, أو الأعناق المشرئبة, أو الأعناق المُسلسلة بثروات الشعوب الخ. بدأ هذا المصطلح معي منذ الساعة الأولى التي كنت أسترق فيها السمع لحوار والدي ووالدتي وأنا في عالم الظلمات بين صرخات طلق والدتي وكلمات والدي المهدئة لها والمبشرة بخير كبير ينتظرهما بعد أن أخرج لأملئ لهما حياتهما: هذه مرحلة عنق الزجاجة وبعد أن تلدي هذا الشقي سترتاحين كثيرا, ويخرج الشقي فتشتكي أمي لأبي وتتلو عليه ما كسّرت وما خرّبت فيهدئها مذكراً إياها بعنق الزجاجة ذاتها وأنه قريبا سيصبح شابّا يحمل هم عائلته ووالديه وإخوته, ولم أُخيب ظنّ والدي فانتقلت لمرحلة مراهقة زجاجية بحتة, ولكن هيهات أن تنتهي الحياة هنا بل يشتكي هذا المراهق لوالديه صعوبة إمتحانات الثانوية العامة وأزمات هذه المحطة المعقدة من حياة أي مراهق فيذكراه بصعوبة المرحلة وأنها فترة قصيرة وأنني سأشهد وربي مروري الموفق من عنق الزجاجة, وهكذا دواليلك قبل دخولي الجامعة وبعدها, وقبل الزواج وبعده, عندما كنت عطّالا بطالا وعندما صرت شغّيلاً تعّيباً … عنق الزجاجة بات مصطلحاً يطاردني حتى في كوابيسي يا سادة.

مساكين شعوبنا العربية, فكلهم يعيشون داخل زجاجة منذ أن عرف العالم الزجاج على يد الفينيقيين, حيث ننتقل سوية – زرافات ووحدانا – من أزمة إلى أزمة برفقة حاجة المواطن ومشاكله ومطبّات الحياة نزولاً وصعوداً فما يزيد ذلك من عزم قادة الأمة غير خطابات بلهاء تحذر من خطر مؤامرة شديدة وأننا بتنا أقرب ما نكون من عنق الزجاجة والتي سنخرج منها ما أن تنتهي الحرب الضروس مع أعداء الأمة في الداخل والخارج. لا أزعم أنني الوحيد من بين كل المحشورين داخل هذه القنينة الذي أعيش حياة بلا زجاج وبلا أعناق, فكلنا يا صديقي في الهوا سوا, وحتى في الهوا سوا نشاهد إسماعيل يس وهو يختبئ داخل صندوق مشحون من أجل الحصول على عمل في فلمه عام 1951, ألم أقل لكم أنها مؤامرة لا تريد لنا إلا أن نُحشر سويا؟ ربما لا يريدون لنا أن نتفرق, أو ربما لا نريد – معاشر المحشورين – أن نخرج من قُمقم صنعناه بأيدينا, لا أدري فعلاً ولكنني حقاً لا أهتم فلم تعد تستطيع كمواطن في خضم ثورات الربيع العربي أن تذكر اسماُ من أسماء بني شعبك خرج من هذا العنق الضيق سوى الشهداء, فأكرمنا يا رب بالخروج من هذه الزحمة بأقرب طرق الوصول إليك, هذا وقوموا معاشر المتضايقين إلى أعناق زجاجاتكم يرحمنا ويرحمكم الله.
فداء السيد

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل