حالة الانتكاس العنصري..المناطقي

0

ديمة محمود:_

(((النكوص في القيم والمفاهيم الاجتماعية والمجتمعية خلال الأزمات الحالية:
//حالة الانتكاس العنصري؛؛المناطقي؛؛
الوضع السوري نموذجا//)))

نجحت الأنظمة الشمولية على مدى سنوات تجذرها في تعمية العقل الجمعي وبرمجته على حالة التبعية والاستسلام. فلا يكاد أن تفتح له النوافذ أو تسلط الكشافات في عينيه حتى يرفضها بشدة ويصر على السير في دهاليز العتمة ومتاهاتها. تعينه على ذلك النزعة الراكدة لدى مجتمعاتنا والتي تؤول للسلبية وعدم تصحيح الذات أو تطويرها والاستسلام، وهي ذاتها العناصر التي عملت عليها هذه الأنظمة خلال عقود. مما سهل مهمتها في تمكين نفسها من جهة وصعّب استئصالها سابقاً ولاحقاً ، بل وساعد وبفعالية في عودتها من خلال تمحورات وتحولات انتكاسية ونكوصية لدى الخلايا النائمة الموقوتة المسماة تمويهاً بالمعارضة أو تلك الفئات الهلامية الصامتة التي تبدو لا مع ولا ضد .

النجاح الحقيقي لم يكن لتلك الأنظمة باستمرارها فقط طوال تلك العقود وتمكنها واستنزافها لموارد البلاد والشعوب بل وفي محو العقلية المواطنية إلى أبعد مدى وتشكيلها بقطيعية فريدة. لقد ضربت هذه التربية المنظمة والمستهدفة أسافينها في قاع التكوين النفسي للإنسان فيها فهو باديء ذي بدء معنيٌّ (وظاهرياً فقط) ببلده وموطنه (من خلال إله الوطن!) ولذا فإن كارثةً أو حدثاً سلبيّاً ما سياسيّاً أو ثقافيّاً أو اجتماعيّاً في أي بلد آخر من المحيط إلى الخليج لايعنيه جملةً وتفصيلاً طالما أنه لا يتعلق بالترفيه والـ (هشّك بشّك) .
إن العلميّ و المنطقي أن يكون التفاعل مع الآخرين على الأصعدة الإيجابية والسلبية منظومة واحدة لايمكن تجزئتها. بمعنى أن المعنيّ حتى العمق بوطنه معنيٌّ بما يحدث في محيطه بل وبما يحدث في العالم بنسبة وتناسب تتفاوت حسب ثقافته وعلاقة مايحدث باهتماماته. وهنا طبعا أعني المواضيع الجوهرية والخطوط العريضة والرئيسية ولا أعني التفاصيل ودقائق الأمور عند أقل تقدير .

ماحدث هو التالي:
محورة المواطن حول نفسه وأناه ، فقط .. قد يهتف مع القطيع لصالح الوطن ظاهرياً، لكن طالما تشكل هذا في منظومة جماعية مستوحاة من التلقين والتوجيه والإيحاء المباشر وغير المباشر فقد فقد (المواطن / إنسان الوطن) إنسانيته ووعيه بمعنى الكلمة وهو منذ الآن آلة وببغاء يردد ضمن منظومة قطيع صغير (حزب أو مؤسسة ما) أو قطيع كبير ( على مستوى الدولة) .
هذا الكائن الآن فقد إمكانياته الذاتية والخاصة والفردية فمن باب أولى أن يكون سلبياً مع مايحدث من أمور المحك في البلاد الأخرى القريبة والبعيدة وبمافيها الأمور الإنسانية، وإن حقن مثلاٌ بمطعوم (تطعيم) المقاومة من باب درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وداوها بالتي كانت هي الداء.

الآن : أعود لنقطة النجاح الحقيقي للشمولية على المستوى الفردي والاجتماعي خلال كل هذه الزلازل والمخاضات العثرة.
حيث أنها عززت الأنانية المطلقة حتى غدت ظاهرةً فريدةً تستحق التأمل والدراسة وإعادة النظر خلال مانحن فيه .
وتبدأ بدوائر أولاها وأصغرها من النفس يعني أنانية للذات وتتوسع دائرتها شيئاً فشيئاً على نطاق الأسرة الصغيرة دون الأصدقاء ، ثم العائلة دون العائلة الممتدة ، ثم القرية دون غيرها ، ثم المدن والمناطق دون غيرها، ثم البلدان دون غيرها .
وهكذا صعودا من إنسان ذاته في بلد ما أو هبوطاً من إنسان العالم ذاته في بلدٍ ما … النتيجة والمحصلة واحدة.

تتبلور الأنانية بوضوح في النزعة المناطقية التي نجحت الأنظمة في تعزيزها وتأصيلها لدى الناس وهي بالفعل أكبر نجاح حقيقي ملموس الأثر الآن.
في الشأن السوري مثلاً لاتغيب عن الذهن طبعا المنظومات والمؤسسات المختلفة التي ينتمي لها أشخاص جلهم من منطقة معينة إلا من قلة قليلة للديكور وذرّ الرماد في العيون.
كما نرى بوضوح التغييب الإعلامي لصالح أحداث منطقة أو مدينة على أخرى من قبل الجهات والمصادر الإعلامية ومنابر الخبر عموما وانتهاءً بالشخصيات التي جعلت من نفسها منابر خلال أربع سنوات.

يبدو ذلك مركزاً وجلياً للعيان منذ شهرين فالحسكة ودير الزور لم يأتِ على التعاطي مع المجازر فيهما إلا أبناؤهما وندرة من الشخصيات العامة ، وسلمية كانت حديث فئة الأدباء فقط وبالتالي المنابر الإعلامية بحكم امتداد عمقها الثقافي في الأدب السوري والذي لايمكن إنكاره بحال ، وجاءت حلب الجريحة لتتصدر أيضاً منابر الإعلام والشخصيات العامة والحلبيين فقط.
لتظل إدلب قابعة منبوذة متعامى عنها دوماً وعمداً في غيابٍ إعلاميٍّ تبحث عن أخبارها فتجدها بالكاد في زوايا صغيرة على استحياء من المواقع الإخبارية المتخصصة والمضطرة بحكم وظيفتها للمرور عليها، ومنها ماهو مشوب الغايات، وماسوى ذلك من منابر وشخصيات برت نفسها لشأن الثورة لا تأتِ على ذكر الإبادة والإجرام والقصف المستمر عليها منذ حوالي شهر ونزوح أغلبية سكانها إلى الريف. ولا أنسى هنا بحكم الموضوعية أن الإدلبيين أنفسهم ومعظمهم لم يكونوا يعيرون كثيراً لما يحدث في المدن والمناطق الأخرى. فالعملية تحصيل حاصل إذا من ثقافة الدوران حول الذات والتمحور الفردي ونكوص المجتمع نحو مفاهيم الإنسان البدائي والتي يفترض أن نكون قد قطعنا عنها شوطاً بعيداً. إنه انتكاس في مفاهيم التحضر والرؤية نحو الآخر والتعايش والوحدة المجتمعية والإنسانية ، كيف لا وهو نكوص واضح نحو مفاهيم الجماعات الصغرى (من ناحية المصلحة) والقبلية والتي بشكل أو آخر تتسع وتضيق حسب الحاجة النفسية والمادية لتشمل مفهوم المناطقية الذي يستدعي عندي الحزن والألم والقلق البالغ لأن من تبرمج على هذا النحو إن تعرض مركبه للغرق فسيقذف بزوجته وفلذات كبده يوماً ما ليبقى هو وحده ، وإن بقي وحده في هذا العالم …
‪#‎DeemaMahmood‬
‫#‏الديمةالسكوب‬

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!