ابن كثير ومجازر الاطفال في سورية – فداء السيد

بتنا نسمع نفس الكلام حينما نشاهد نفس الصور من نفس الأشخاص, حتى – وليعذرني القارئ الكريم على هذه الصفاقة – تمْسحت عيوننا وبقايا خلايانا العصبية والحسيّة, وطفق الناس يتعذرون حينما نعرض عليهم صور الأطفال المذبوحين بوخزة في صدورهم كلّما رأوها, وبدأوا تمثيلية الترّجي بعدم الإستمرار في إرسال هذه الصور فهي تعكّر – ويا للهول – نفسيّاتهم وتجعل من يومهم فلم رعب يمنعهم من النوم … يا قوم: هذه الوجوه البريئة الهامدة هي وجوه أطفال حاول أحد الأدباء ذات مرة أن يصفهم فقال: البراءة الملائكية تشع نورا من عيونهم اللطيفة الصغيرة، والإبتسامة النورانية تــُذهب الهم، تنبت السعادة، تـُذيب القلب رحمة،وتجعل الحنان سيلاً دافقا يكاد يدفع قفص الصدر،ليخرج قــُبلة ساخنة على جبين الطفل أو خــدِّه. عاطـفة شغوفة تـُجـبر اليدين أن تمتدا لتحضن هذه الصورة العلويـّة الى الصدر كي تـُوقف إهتزاز شعورٍ يكاد يذهب بالأضلاع. انتهى كلامه

ليسمح لي سيدي الأديب أن أحدثه عن أطفال الحولة وكرم الزيتون وكفرزيتا الذين كنا نسمع لهم صوتاً ذات مرة, هم أيضا ملائكة عندنا, يشعّون نورا ودماء, عيونهم ليست كعيون باقي الأطفال فهي مغمضة بقوة, ابتساماتهم ممزوجة برعب اللحظة التي أسلموا فيها الروح لكنهم مبتسمون, يذيبون قلبك همّا وحزنا, يكاد قلبك ينخلع من مكانه وأنت ترى آثار السكاكين الحادة والمسننة على أجسادهم اللطيفة – كانت لطيفة – بل وسترى شظايا الفؤوس اللامعة على جُبُنهم بينما تحاول الإقتراب للتقبيل, ستمتد يديك لتحملهم وهم صامتون, ستُقلبهم, ستُحرك يديهم وأقدامهم علّهم يجيبونك بضحكة أو لحظة عتاب أو ربما شقاوة ومشاغبة … لكنك ستتفاجئ حينما تتساقط أطرافهم من بين جنبيك, لتضعهم على قطعة من القماش, تلتقط كمرتك وتأخذ لهم مئات الصور ظناً منك أن هذه الصور ستحرك زعيماً عربياً واحداً أو أن دبابة خربة ستقترب من الحدود السورية كوسيلة ضغط أو أن بان سيتصل بعنان ليقول له: إتس إنَف يا صديقي, أتتني صورة ابني وابنك بينما أشاهد صور أطفال سورية القتلى, ارجع فإن لنا تصرف آخر مع هذا المنشار, الحقيقة أن لا أحد سيتحرك سوى ما تبقى من ضمائر عند إخواننا (الشعوب) وبعض كرامة وقليل من إنسانية.

أتخيل المفسر و المؤرخ الكبير إسماعيل إبن كثير وقد أعاد الله له روحه, يخرج من قبره في دمشق, يعود إليه بصره الذي فقده آخر حياته, أتخيل الشباب الثائر وهم يسألونه بالله أن يؤرّخ ما يمر به الشعب السوري جرّاء ثورته العظيمة حتى لا تنسى الأجيال القادمة تضحيات الأجداد حين ياتي اليوم الذي سينعمون فيه بالحرية والكرامة والعدالة, يحمل ابن كثير ريشته ومحبرته وقرطاساً – ربما كتابه البداية والنهاية, فما زالت هناك صفحات فارغه في هذا العالم – يقف على تلة من التلال أمام ضيعة من الضيع, يُشاهد بأمّ عينيه المجازر التي طالت بلاده (فهو من أعمال بصرى, يعني درعا مهد الثورة), يرى جُثثاً متفحمة, رؤوساً بلا أجساد, أطفال مذبوحين و بيوت محرّقة, نساء باكيات, مآذن مُهدمة, وأصوات كالبرق – هو لا يعرف حتى أن هذا قصف طائرات ودبابات -, آلاف المشردين, دخان متصاعد وكثيرٌ من شهب النار هنا وهناك, أتخيله يستذكر ما أرّخه من قبل عن إحراق بغداد من قبل التتار والحروب الصليبيه وفتن ذلك الزمان وملاحمه … أتخيله والأدوات تتساقط من كلتى يديه, يجثوا على ركبتيه, يرفع رأسه للسماء ثم يهمس قائلاً: يا رب قبري قبري

فداء السيد 7-6-2012

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل