كان بإمكان حكومة “طعمة” أكثر بكثير مما كان-د. عبد العاطي شرارة

عهد الائتلاف الوطني السوري عند تشكيله في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 بإنشاء 3 هياكل تنظيمية أساسية هي: الحكومة المؤقتة، وهيئة أركان الجيش السوري الحر، والهيئة (اللجنة) القانونية. وكان الهدف من إنشاء الحكومة المؤقتة هو خلق جسد تنفيذي قادر على أداء المهام التنفيذية الأساسية للائتلاف في الصعيدين الداخلي والخارجي على حدٍّ سواء. فالائتلاف بهيئته العامة التي تضم جميع أعضائه، وهيئته السياسية التي تضم 24 عضواً تختارهم الهيئة العامة من بينهم الأعضاء الخمسة في الهيئة الرئاسية؛ لم يحظ بالاعتراف القانوني الدولي على الرغم من كل محاولاته، وكانت الجامعة العربية قد اشترطت في مارس/ آذار 2013 تفعيل الحكومة المؤقتة ليحظى الائتلاف بجزء من هذا الاعتراف ويتمكن من شغل مقعد سوريا في الجامعة بعد تجميده في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011.
في 18 مارس/ آذار 2013 سمت الهيئة العامة رئيس الحكومة المؤقتة السيد “غسان هيتو”، لكنه ما لبث أن انسحب في يوليو/ تموز من نفس العام، ليخلفه في 14 سبتمبر/ أيلول 2013 الدكتور “أحمد طعمة” كرئيس “توافقي”، واستطاع تشكيل حكومته، بعد شهرين من تسلمه منصبه، وتعيين وزراء لها بالتنسيق مع الهيئة العامة للائتلاف. ظن الكثيرون بأن أبواب الخلاص قد فتحت على مصراعيها، إلّا أن “طعمة” لم يكن رجل “تكنوقراط” يعتمد الخبرات والكفاءات في حكومته، بل رجل سياسة يعتبر الولاء أهم من أي شيء آخر، كما أن جغرافية السيطرة على الأرض في سوريا تغيرت بشكل دراماتيكي بين زمن الحكومة الأولى والحكومة الثانية لصالح قوىً “متطرفة” عملت في خدمة مصالح نظام الأسد.
يمكن القول بأن حكومة “أحمد طعمة” مُنِيَت بالفشل الذريع، فعلى الرغم من أنها أثمرت عن تشكيل حكومة متكاملة بوزراء مع حقائبهم، وليس دون ذلك، أن فُتحت لها أبواب المجتمع الدولي على مصراعيها إلّا أنها لم تتمكن من إنجاز شيء يغير واقع المأساة في سوريا على الإطلاق.
3 أسباب رئيسة حالت دون نجاح حكومة “طعمة” التي توفرت لها كل مقومات النجاح:
ابتعادها عن العمل في داخل سوريا.
سيطرة طرف سياسي واحد على الحكومة المؤقتة متمثلاً بجماعة “الإخوان المسلمين”.
غياب الكفاءات المهنية في صفوف الوزراء المعيّنين ومرؤوسيهم في الوزارات.
فحكومة “رجل السياسة” لم تفِ بوعد العمل ضمن الأراضي المحررة، وهو الوعد الذي قطعته أمام الشعب السوري والدول المانحة، واستنسخت التجربة الفاشلة للمجلس الوطني السوري، ومن بعده الائتلاف، في تقديم الدعم المالي والعيني من خارج الحدود، واستمر العمل من خلال المجالس المحلية في المحافظات من جهة، وبعض قادات الرأي في المناطق المحررة من جهة أخرى. هذا الاستنساخ لم تتوقف آثاره السلبية على توسيع الهوة بين الثوار في الداخل ورجالات الحكومة في الخارج، بل تعدتها لتتحول صورة الحكومة المؤقتة في أذهان الشعب السوري والمجتمع الدولي إلى هيئة لا تلعب إلا دور الوسيط ذي الدرجة الثانية بين الشعب السوري والمجالس المحلية والجهات المانحة، أو بمعنى آخر، اختصرت دورها إلى نوع من توجيه الدعم الإغاثي بعيداً عن العمل الإداري والخدمي والتنظيمي المباشر.
وليس هذا فحسب، بل وقعت الحكومة المؤقتة، وهي الهيئة التنظيمية ذات الدور الوظيفي المباشر، في فخ تضارب الاختصاص مع الائتلاف كمرجعية سياسية من جهة، ومع بقية هيئاته التابعة (العسكرية، القانونية، الإغاثية /هيئة تنسيق الدعم/) من جهة أخرى، فلم تكن من الوظائف المناطة بحكومة “طعمة” التجول في الأروقة الدولية لاستجرار الدعم السياسي أو تحديد المواقف وإطلاق التصريحات، وأكبر دليل على ذلك تبعية ملف “وزارة الخارجية” للهيئة السياسية في الائتلاف بشكل مباشر وليس لرئاسة الحكومة؛ بل على العكس، كانت الوظيفة محددةً بإدارة شؤون المناطق المحررة، وتنظيم شؤون الشعب السوري بفئاته كافة في داخل سوريا وخارجها بالتعاون والتنسيق مع هيئة الأركان وهيئة تنسيق الدعم والائتلاف.
كذلك، لعبت سيطرة جماعة الإخوان المسلمين (فرع سوريا) الواضحة على الحكومة، دوراً سلبياً جداً أسهم في فشلها، فهي من جهة عززت منهج الإقصاء الذي كان متبعاً منذ انتخابات الهيئة الرئاسية للائتلاف في يوليو/ تموز 2013، وكرّست حالة الاستعصاء الداخلي، ومهدت الطريق لتطور الاستقطاب الإقليمي في غير صالح الشعب السوري. ومن جهة أخرى أدى إلى رفع أطراف إقليمية هامة الدعم المالي والسياسي عن هذه الحكومة.
وفي نفس السياق، سياق الفشل أعني. رسمت حكومة “طعمة” أسوأ صور الحكومات، والتي عادةً ما تبدأ بتسليم الوزير الأول (رئيس الحكومة) الحقائب الوزارية لأشخاص من غير أصحاب المؤهلات والكفاءات والخبرات، وهذا ما صوّر الحكومة على أنها “شركة سياسية”، لا هيئة تنفيذية تضع على رأس أولوياتها العمل والتنظيم الإداري والخدمي للجغرافيا التي تحكمها بالاعتماد على الخبرات المحلية والكفاءات الوطنية والتنسيق المتبادل مع القوى الثورية.
لا ريب أن تأسيس الحكومة جاء كمطلب وطني، وأن لإبقاء عليها ضرورة وواجب، وليس ما فندته آنفاً إلا دعوةً للإصلاح والتغيير، فليس من عاقل يقف مع فراغٍ من أي نوع في حكومة وُجدت لخدمة الشعب. ومنطق حال اليوم يقول بأنه بات من الضروري جداً إحداث الإصلاح وتعجيل التغيير في هيكلية الحكومة واستراتيجيات عملها، وهذا ما يُناط اليوم بـالسيد أحمد طعمة وحكومته، لجلب ما أمكن جلبه من مصلحة ودرء ما أمكن درؤه من مفسدة.
د. عبد العاطي شرارة
تم نشره أيضا في الهيئة السوريّة للإعلام
http://smo-sy.com/Article/Article.aspx?id=560

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل