المبارزة الأوكرانية والنزال السوري- د. خطار أبودياب

0

يفتح اختبار القوة حول كييف مجالا لتليين مواقف موسكو من ملفات أخرى، وربما يؤدي ذلك إلى إصرار روسيا على مزيد من التعطيل في الملف السوري وسواه.

العرب د. خطار أبودياب [نشر في 2014\02\22]

وفق نظرة تاريخية وجيوسياسية ثاقبة، اعتبر زبيغنيو بريجنسكي (مستشار الأمن القومي السابق للرئيس كارتر) أنه “من دون أوكرانيا، لن تبقى روسيا إمبراطورية، لكن مع أوكرانيا تصبح روسيا إمبراطورية بشكل تلقائي”. عبر تاريخها كانت أوكرانيا الواقعة على البحر الأسود صلة الوصل الأوروبية لروسيا، ومسرح تجاذب كبير بين موسكو والغرب منذ نهاية الحرب الباردة.

ومع المنعطف الذي وصلت إليه الأزمة في أوكرانيا خلال الأيام الأخيرة، لم يكن مفاجئا تعليق الرئيس الأميركي باراك أوباما على الأحداث التي تشهدها كل من أوكرانيا وسوريا، إذ قال إنه لا يعتبر البلدين “رقعة شطرنج للحرب الباردة، تتنافس فيها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا”. بيد أن الفخ الأوكراني المنصوب للقيصر الجديد يشكل حلقة إضافية في مسلسل تجاذب ونزاع بالوكالة بين روسيا والغرب، يمتد من كييف إلى دمشق.

وبعد مرحلة السبات الروسي خلال حقبة بوريس يلتسين، تنبّه فلاديمير بوتين إلى أهمية الجوار الروسي القريب، وكلّل ذلك في حربه مع جورجيا في صيف 2008، وفي اختبار القوة مع أوكرانيا حول الغاز. وجرى ربط الأمن القومي الروسي بإحباط مشروع الدرع الصاروخي الأميركي بالقرب من الحدود الروسية، ومنع تمدّد حلف شمال الأطلسي.

ويتبيّن بوضوح أن الاتحاد الروسي ينطلق من المعايير الاستراتيجية الكلاسيكية ويعتقد أن المواجهة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمتد على طول خط الفصل الجيوستراتيجي الذي ينطلق من البحر الأبيض المتوسط، وينتهي في بحر قزوين بعد المرور بالبحر الأسود، ولذا اعتبرت موسكو أن الاستراتيجيات الغربية غير المباشرة كالثورات الملونة والاتفاقيات الاقتصادية، ما هي إلا مقالب لإضعاف عودة النفوذ الروسي.

في الأول من أغسطس- آب 1991، حذّر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، المنتصر في الحرب الباردة، الشعب الأوكراني من الاستقلال. لكن بعد ذلك بخمسة شهور، كانت المفاجأة وانتهى الاتحاد السوفيتي.

والمفاجأة الثانية في 2004-2005 أتت أيضا من كييف عبر الثورة البرتقالية التي دعمها آنذاك المحافظون الجدد في اختراق استهدف مصالح روسيا الحيوية.

ومنذ خريف عام 2013 عادت واشنطن لتُسيء قراءة الأوضاع في أوكرانيا مرة أخرى لكن بطريقة مختلفة، وشاركها أيضا في التمهل اتحاد أوروبي تقوده ألمانيا بحذر. لقد بوغتت القوى الغربية، عندما رضخ الرئيس فيكتور يانوكوفيتش لضغوط موسكو في أواخر نوفمبر الماضي، وأعلن أنه لن يوقّع على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي. ولم يتوقع أحد في واشنطن أو برلين أو بروكسيل- مقر المفوضية الأوروبية- أن يطلق قرار يانوكوفيتش العنان لاحتجاجات على مستوى لم تشهد مثله أوكرانيا منذ الثورة البرتقالية.

بالرغم من الخطاب الأميركي الشديد اللهجة في الظاهر واستخدام أساليب القوة الناعمة، فضلت إدارة أوباما أن تكون أوروبا في الواجهة، وعندما أغدق بوتين بملياراته تبيّن العقم في ردة الفعل الأوروبية. وبرز بوضوح أن أحداث أوكرانيا أحرجت الاتحاد الأوروبي وأعادت طرح أسئلة مشروعة عن هوية أوروبا وحدودها ونفوذها. وانكشف افتقار أوروبا لإستراتيجية موحدة تجاه روسيا.

بينما كان الرئيس الروسي قد اطمأن لشراء ولاء أوكرانيا بمساعداته السخية لإبقائها في منطقة نفوذه، وانصرف ليزهو بإنجازاته في الألعاب الأولمبية في سوتشي، فاجأ اللهيب الأوكراني الجميع من جديد، وأخذ يتحول تدريجيا إلى “جحيم بوتين”، حسب تعبير مجلة “الايكونوميست”.

وتصورت موسكو أن سياستها في التعطيل على صعيد مجلس الأمن الدولي ودعمها للنظام السوري نجحت في احتواء انعكاسات ما سمي بالربيع العربي، وأن حركة التاريخ توقفت في دمشق، فإذ بنداء الحرية الصادر من الأعماق في كييف، يدلّل على أن نظرية المؤامرة الخارجية ومقولة رفض التدخل في شؤون الدول وسيادتها، لم تعد وصفات مقبولة وأن عودة شعوب الجوار الروسي إلى الوراء، صعبة بل مستحيلة، مما يعقّد مهمة بناء مشروع إمبراطوري روسي.

في الفخ الأوكراني الذي وقع فيه بوتين والاتحاد الأوروبي على مستويات مختلفة، سعت واشنطن إلى محاكاة تداعياته عن بعد والاستفادة منها. وشدّدت واشنطن على أن المسؤولية الرئيسية في الحد من العنف في العاصمة كييف، تعود إلى الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والحكومة الأوكرانية، وأعلنت ألمانيا أن ميركل وأوباما وبوتين، اتفقوا على “ضرورة الحل السياسي”. في انتظار انتخابات مبكرة أو صدام أهلي واسع، توجد أوكرانيا على صفيح ساخن، ولا يبدو أن موسكو مستعدة للتخلي عن كل مكاسبها (ميناء سيباستوبول على البحر الأسود ينتهي الاتفاق عليه بشأن الوجود العسكري الروسي في 2017) وكذلك فإن الاتحاد الأوروبي لن يسلّم أوكرانيا إلى روسيا.

تنهك أزمة أوكرانيا بوتين وتبيّن نقاط ضعف موسكو، وفي المقابل يستبعد أن تسجل واشنطن أو بروكسيل سبقا استراتيجيا. وربما يفتح اختبار القوة حول كييف مجالا لتليين مواقف موسكو من ملفات أخرى، وربما يؤدي ذلك إلى إصرار روسيا على مزيد من التعطيل في الملف السوري وسواه.

ولكن حركة التاريخ مستمرة ولن يتحكم بها بوتين وأوباما وميركل لوحدهم، وسيكون من الصعب إرسال الدبابات إلى أوكرانيا لكمّ الأفواه، كما جرى في براغ أو خوض حرب القرم من جديد.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!