ثورة في المجلس الوطني من أجل الثورة – وائل مرزا

لا أذكر على وجه التحديد، لكنني أعرف أنني كنتُ أولَ من طرح عبارة (المجلس الوطني السوري)، أو على الأقل، واحداً من مجموعة صغيرةٍ جداً تداوَلت هذا المصطلح.
كان هذا منذ ثمانية أشهر، عندما اجتمعنا في اسطنبول بعد أسابيع من (فشل) مؤتمر الإنقاذ الذي شارَكنا فيه بأملٍ كبير.
بعد آخر يومٍ من ذلك المؤتمر، اجتمعت نواة لا تتجاوز العشرين معارضاً سورياً لنفكر سوياً في حلٍ لعقدة عدم وجود (عنوان) سياسي للمعارضة السورية. توافقنا جميعاً أن آلية المؤتمرات لم تعد ناجحة (لأسباب أعود لتفصيلها في دراسة شاملة قادمة). واتفقنا على الاجتماع في شهر أغسطس بشكل حلقةٍ علمية بعيداً عن الإعلان وإخراج المؤتمرات لندرس ما يجب أن يكون. اجتمعنا فعلاً، وعلى مدى أسابيع، تراكم عملٌ رائع (أترك تفاصيله أيضاً للدراسة المذكورة)، ولكن المهم هنا يكمن في أن ذلك النشاط تمخّض عن ولادة جسمٍ اسمه المجلس الوطني السوري.
قبل هذا التاريخ بشهور، وبعد أسابيع قليلة من بدء الثورة، كنتُ ومجموعة صغيرة من الزملاء نُفكّر في ضرورة وجود هيكلٍ سياسي يمثل الثورة بشكلٍ أو بآخر. فمن المؤكد أن المجتمع الدولي لا يستطيع التعامل مع (ثورةٍ بلا عنوان سياسي) إن صحّ التعبير. وخلال حركتنا وتواصلنا الذي توسّع تدريجياً، وصَلَتنا بذرة مبادرة في نفس الاتجاه طرحها الصديق الدكتور برهان غليون في بعض الدوائر الضيقة في ذلك الوقت.
وبسبب جدّية الموقف، التقيت الدكتور برهان غليون وكان محور اللقاء تشجيع الدكتور من قِبلي على إعلان فكرته مع إعلامه بالرؤية التي وصلَ إليها فريقي الصغير بحيث يتبلور الطرح بصورةٍ متقدمة. كانت وجهة نظره أن الأمر يحتاج لمزيدٍ من التواصل والإجماع.. جرت في النهر بعد ذلك مياهٌ كثيرةٌ كما يقولون، وهناك تفاصيلُ يأتي وقتها، لكنني أورد هذه الوقائع تحديداً لأنها تحمل دلالات تضعُ ما سأطرحه من الآن ولاحقاً في إطارٍ متوازن. على الأقل لأولي الألباب.
نحن اليوم أمام مفرقٍ رئيس في طريق الثورة السورية. ففي حين يرسم أهلنا الأبطال في الداخل ملاحم جديدةً تهزّ النظام هزاً على طريق النصر القادم بإذن الله، يقف المجلس الوطني أمام استحقاق لُا بدّ أن يُدركَ حساسيتهُ صُنّاعُ القرار فيه.
وأقلّ الواجب يتمثل في أن يرتقي المجلس الوطني إلى مستوى أولئك العمالقة، أداءً وقياماً بالدور والواجب والمهمة. وهذا لا يمكن أن يحصل في معزلٍ عن إصلاحٍ جذريٍ للمجلس على جميع المستويات.
بل يمكن القول دون مواربةٍ وخجل: نحن بحاجةٍ لثورة داخل المجلس. لا أتحدث، بكل وضوح، عن انقلابات ومؤامرات وما إلى ذلك. وإنما إلى ثورةٍ في طرق التفكير والعمل والإدارة تليق على الأقل بالتفويض الذي أُعطي للمجلس ممثلاً للثورة.
كتبتُ في هذا المقام أكثر من مرة عن خطورة ربط مصير الثورة بمصير المجلس، وأن الثورة قادرةٌ، بعبقريتها الجمعية، على أن تصل إلى تحقيق أهدافها، بغضّ النظر عن مصير المجلس. لكنني ما زلت أومن بأن للمجلس دوراً مهماً يؤديه إذا ارتقى صانعو القرار فيه إلى مستوى المسؤولية المنوطة بهم.
والحديث في هذا الموضوع يهم كل من يهمه شأن الثورة، ولا مشاحة من الخوض فيه أمام شعبنا بشفافية وصراحة.
ثمة مَن يهمَهم أمر الثورة والمجلس داخله وخارجه، وهؤلاء يفكرون برؤية خلاقة للإصلاح المنشود من الجميع. أعرف يقيناً أن هذه الرؤية تتبلور وأن ملامحها ستظهر وتُطرح قريباً على الجميع، وهي على أكثر من مرحلة.
لكن، وبصراحةٍ أيضاً، لستُ على يقينٍ قاطع بنجاح هذه المحاولة. أولاً لأنها تدخل في إطار غيبٍ لا يعلمه إلا الله، وثانياً لأنها تحتاج إلى مشاركة وتعاون أكبر شريحةٍ ممكنةٍ في المجلس ممن يبحثون عن الإصلاح الحقيقي، وهم كثرٌ في جميع هيئات المجلس.
أكره عالم الشعارات الفارغة المضمون، ولستُ من هواتها، لكن هذا يختلف عن يقينٍ عميقٍ جداً بات يسكن القلب والعقل بأن هذه الثورة ماضيةٌ إلى نصرها المنشود. وأنها ستُحقق أهدافها كلّها. رضي من رضي وكره من كره.
نعم، سيكون الطريق طويلاً وصعباً، وستكون التحديات كثيرةً، لكن طول الطريق وكثرة التحديات يُنتجان على المستوى الاستراتيجي عمليات تمحيصٍ وفرز حضارية كُبرى للأشخاص والأفكار والتجمعات والتجارب.
وتبقى المسألة في النهاية مسألة خيارات. هل سيختار المرء أن يرتقي إلى مقام خدمة الثورة بكل ما تتطلبه من إخلاصٍ وتجردٍ وعمل وتخطيط. أم سيختار أن يبقى جزءاً من المشكلة وهو يدّعي أنه جزءٌ من الحلّ.
قد يكذب المرء على الآخرين في هذا المجال. قد يكذب على الثوار وعلى شعبنا. قد يكذب على العالم بأسره. بل قد يصل البعض إلى درجة أن يكذب على نفسه ويُصدّق كذبته. لكنه لن يستطيع أبداً أن يكذب على الله وعلى التاريخ. وفي لحظةٍ من لحظات الزمان. في غفلةٍ منه. ستنكشف الكذبة بشكلٍ واضحٍ وجلي و(مؤلم). وستظهر الحقائق عاريةً أمام الآخرين، وأمام ثوارنا الأبطال وشعبنا الصابر، وأمام العالم بأسره.
أدرك أن هناك شرائح تسخر من مُعطيات العلوم الاجتماعية، لأنها لا تُدرك أصلاً كنهها ولا ماهيّتها ولا دورها في تقدم وحضور الأمم والجماعات البشرية والحضارات. فلهؤلاء أن يمارسوا سخريتهم سراً أو علناً ما يشاؤون. لكن تلك العلوم تتحدث عن قوانين للاجتماع البشري تفرضُ نفسها فرضاً في نهاية المطاف على كل اجتماعٍ بشري.
وكنت أومن، قبل دراستي في ذلك الحقل، ولا أزال، بمصطلح (السُنن) و(السُننية) في الرؤية الإسلامية الحضارية. وهي بنفس معنى القوانين الاجتماعية. وثمة في هذه السنن ما يهزّ الأرواح ويُقنع العقول، بل وتقشعرّ له الأنفس والأبدان. تتداعى عشرات الأمثلة إلى ذهني ولكنني أختار منها واحداً أختم به هذه الكلمات.
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}.
صدق الحكيم الجبار.

 ثورة في المجلس الوطني من أجل الثورة – وائل مرزا

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend