ثقافة الحوار تؤسس لعلاقة حميمة وناضجة بين الوالدين والأبناء

يعد الحوار من أهم أسس الحياة الاجتماعية وضرورة من ضروراتها، فهو وسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وأحاسيسه ومشكلاته وطريقه إلى تصريف شؤون حياته المختلفة، كما أن الحوار وسيلة الإنسان إلى تنمية أفكاره وتجاربه وتهيئتها للعطاء والإبداع والمشاركة في تحقيق حياة متحضرة، ومن خلاله يتم التواصل مع الآخرين والتفاعل معهم.

الحوار في اللغة والاصطلاح

الحوار في اللغة يعني المراجعة ويتحاورون يعني يتراجعون، الكلام والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة.

والحوار في الاصطلاح هو نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء والابتعاد عن الخصومة والتعصب.

أهمية الحوار داخل الأسرة

الأسرة هي الخلية الأولى التي يتكون منها نسيج المجتمع، كما أنها الوسط الطبيعي الذي يتعهد الإنسان بالرعاية والعناية منذ سنوات عمره الأولى، وتتكون الأسرة في الغالب من مجموعة أفراد تجمعهم المحبة والمودة والتعاون، كما تعد الأسرة من أهم المؤسسات التربوية الاجتماعية التي لها الكثير من الوظائف وعليها العديد من الواجبات.

تعتبر الأسرة بمثابة الحاضن الأول الذي يعيش فيها الطفل أطول فترة من حياته، كما يكتسب ويأخذ منها الأخلاق والقيم والأفكار والعادات والتقاليد وغير ذلك من السلوكيات الإيجابية أو السلبية.

وثقافة الحوار هي أسلوب الحياة الذي يُفترض أن يكون سائداً في الأسرة بين الوالدين والأبناء ليكون عاملاً مُدعّماً للتفاهم، وركيزة أساسية للانسجام والتعايش والاتفاق على صيغة تقبُّل الآخر وأفكاره وثقافته واحترامها مهما كانت متناقضة مع أفكارنا وصولاً إلى صيغة تقارب في الأفكار تتبلور بأن تصبح مشتركة.

ثقافة الحوار هي أسلوب الحياة الذي يُفترض أن يكون سائداً في الأسرة بين الوالدين والأبناء ليكون عاملاً مُدعّماً للتفاهم، وركيزة أساسية للانسجام والتعايش والاتفاق على صيغة تقبُّل الآخر وأفكاره وثقافته واحترامها مهما كانت متناقضة مع أفكارنا.

ومن هذا المنطلق نرى أن ثقافة الحوار تؤسس لعلاقة حميمة ناضجة العناصر وثيقة العرى بين الوالدين والأبناء، علاقة يخيم عليها التواصل والتفاهم، ويتعلم الأبناء خلالها أساليب المناقشة الهادئة المريحة البعيدة عن التزمّت والعناد، وتتعمق لديهم قناعات اجتماعية إيجابية تؤهلهم للتكيّف مع المجتمع.

يؤكد المهتمون بأدبيات التربية بأن الحوار من أهم أدوات التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي تتطلبها الحياة في المجتمع المعاصر لما له من أثر في تنمية الفرد على التفكير المشترك والتحليل والاستدلال، وبالتالي يعد الحوار من الأنشطة التي تحرر الانسان من الانغلاق والانعزالية وتفتح له قنوات للتواصل يكتسب من خلالها المزيد من المعرفة والوعي، ويعزز أهميته من كونه وسيلة للتآلف والتعاون وبديلاً عن سوء الفهم.

دور الأسرة في تبني وسائل وقيم الحوار

أصبح من المُؤكّد لدى علماء التّربية والإرشاد النّفسيّ أنّ للمحيط الاجتماعيّ الأوّل الّذي ينشأ فيه الطّفل الدّور الأكبر والأكثر فاعليّةً في تكوين شخصيّته وبناء الرّكائز الفكريّة والنّفسيّة والأخلاقيّة لديه.

من هذا المنطلق تُعتبرُ الأسرة هي المعنيُّ الأوّل بتبنّي وسائل الحوار في التّعليم والتّنشئة وغرس القيم في نفوس الأطفال.

وإلى جانب التزام الوالدين والأمّهات بالأخلاق الفاضلة يُؤكّد خبراء التّربية على أنّ الأساليب التّفاعليّة هي من أكثر الطّرق قدرةً على تنمية تلك الأخلاق والآداب في نفوس الأطفال دون كبير عناءٍ، فالحوار التّربويّ يتيحُ للطّفل فرصة التّعبير عن نفسه وأفكاره وتصوّراته المختلفة حول القضايا الأخلاقيّة المطروحة للنّقاش، وهو بذلك يُدركُ الأساس العقليّ والمنطقيّ لما يُرادُ إقناعه به، فيُؤمن بتلك القيم دون أن يجد غرابةً أو صعوبةً في تبنّيها والالتزام بها في سلوكه وأفعاله.

صورة تعبيرية (مجلة اقرأ)

التعلّم على الحوار حاجة تربوية ملحّة

إن جعل الحوار أسلوباً مُعتمداً يهدف إلى إرساء المبادئ الأخلاقيّة في نفوس أطفالنا يُعدُّ حاجةً تربويّةً مُلحّةً للأسباب التّالية:

1/ خلافاً للثّقافة التّربويّة السّائدة حول مفهوم الطّفل المهذّب (وهو الّذي يُنفّذ الأوامر دون اعتراضٍ)، فإنّ إتاحة الفرصة للطّفل كي يُعبّر عن آرائه وقناعاته يُعدُّ مطلباً أساسيّاً لبناء الشّخصيّة والثّقة في النّفس، ولإثراء الحياة العقليّة والرّوحيّة للإنسان. حيث أنّ الحوار مع الطّفل يُحفّز لديه الرّغبة في طرح الأسئلة ويُنعشُ فيه روح الاستفهام، فهو وسيلةٌ عظيمةٌ لتنمية التّفكير والوعي والحسّ النّقديّ لدى أطفالنا.

2/ إنّ لمحاورة الطّفل منذ نعومة أظفاره دوراًكبيراً في تعليمه اللّغة وسلامة النّطق، ممّا يجعله فصيحاً طليق اللّسان، يتمتّعُ بالجرأة والشّجاعة الأدبيّة.

3/ الحوار ضرورةٌ مُلحّةٌ لشعور الطّفل بالكرامة، كما أنّ التّربية بالحوار تُعزّزُ لدى أبنائنا مفهوم الحرّيّة ومبادئها كونها تقوم على الإيمان العميق بحقّ كلّ إنسانٍ في التّعبير عن ذاته والدّفاع عن آرائه بالطّرق السّليمة.

4/ بما أنّ الحوار مع الطّفل ينمُّ عن احترامٍ له ولحقّه في إبداء ما يعتري ذهنه من أفكارٍ وآراءٍ مختلفةٍ، فهو مناسبةٌ لتنمية فضيلة احترام الآخرين وحسن معاملتهم.

5/ عندما يُصبح الحوارُ منهجاً وأسلوب حياةٍ داخل الأسرة يتعلّم الطّفل مبادئ التّعايش مع الآخرين والقبول بالاختلاف والتّنوّع وتعدّد الآراء، كما يُصبحُ قادراً على حلّ المشكلات التّي تواجهه بالحوار والأساليب العقلانيّة بعيداً عن العنف والتّسلّط.

6/ النّقاش المتكرّر مع الطّفل يكسر حاجز الخوف والخجل، ويُعزّز لديه القدرة على بناء العلاقات الاجتماعيّة وفق أسسٍ سليمةٍ، كما أنّ الحوار يوطّد العلاقة بين الوالدين والأبناء ويُقوّي روابط الأُلفة والمودّة بينهم.

من أهمّ عناصر الحوار الناجح حُسن استماع الوالدين لما يقوله طفلهما، بالإصغاء الجيّد له والحرص على استخدام مهارات التّواصل كالنّظر إلى وجهه بحنانٍ واهتمامٍ، وبذلك يتعلّم الطّفل أدب الإنصات الجيّد وعدم مقاطعة الآخرين خلال حديثهم.

آداب الحوار داخل الأسرة

حين نتحدّث عن الحوار وأهمّيّته في التّربية وبناء القيم فإنّنا بحاجةٍ إلى التّأكيد على آدابه وأخلاقيّاته الّتي ينبغي على الوالدين مراعاتها وممارستها في حواراتهم مع أبنائهم، لنصل بذلك إلى حوارٍ تربويٍّ ناجحٍ على جميع المستويات.

ومن أهمّ آداب الحوار التّربويّ وشروطه نذكر:

1/ من المهمّ أن يُدرك الطّفل أنّ المحاورة ليست لغاية التّفوّق على المنافسين أو إفحامهم، بل لابدّ أن تكون حلقة الحوار وسيلةً لتحقيق أهدافٍ نبيلةٍ، كالنّقاش حول قضيّةٍ أخلاقيّةٍ بهدف التّعلّم والوصول إلى الحقيقة، أو لحلّ خلافٍ أو مشكلةٍ تعرّض لها الطّفل.

2/ من أهمّ عناصر الحوار التّربويّ الناجح حُسن استماع الوالدين لما يقوله طفلهما، وذلك بالإصغاء الجيّد له والحرص على استخدام مهارات التّواصل الفعّال كالنّظر إلى وجهه بحنانٍ واهتمامٍ، وبذلك يتعلّم الطّفل أدب الإنصات الجيّد وعدم مقاطعة الآخرين خلال حديثهم.

3/ من الضّروريّ تعليم الطّفل الآداب الأخلاقيّة للحديث من خلال مُمارستها في حواراتنا مع أطفالنا، كاستخدام كلماتٍ لطيفةٍ واضحةٍ، وكذلك الحرص على خفض الصّوت والتزام الهدوء وعدم الغضب.

صورة تعبيرية(مجلة سيدتي)

أهم فوائد الحوار مع الأطفال

1/ حدوث ألفة بين الطفل والمربين فضلاً عن الأهل والأقارب والأقران.

2/ اكتشاف المشكلات التي يعاني منها الطفل، حيث تظهر من خلال الحوار القائم معه.

3/ تقوية أواصر علاقة الصداقة بين الوالدين والطفل.

4/ تنمية الحصيلة اللغوية والإدراكية لدى الطفل.

5/ نشر جو من المتعة أثناء الحوار.

6/ تنمية حسن الاستماع والإنصات، والانطلاق والجرأة الأدبية.

7/ الشعور بالأهمية والتقدير الذاتي والثقة بالنفس.

8/ القدرة على اكشاف المواهب والقدرات الكامنة لدى الأبناء.

هكذا نرى أنّ للحوار دوراً بالغ الأثر في التّربية الإيجابيّة وتنشئة الأجيال على مكارم الأخلاق والقيم، ولا ينتهي دوره عند هذا الحدّ، بل يمكن للحوار أن يكون من أسلم الطّرق وأكثرها فاعليّةً في مواجهة أخطاء الطّفل ومحاولة إصلاحها.

الأبناءالأخلاقالأسرةالأفكارالسلوكياتالطفلالقيمالوالدينثقافة الحوارعلاقة حميمةميرا اليازجيناضجة
Comments (0)
Add Comment