الفيل الذي أرعب الغوطة

محطات من التغريبة الشامية (11)

حينما يحيط الموت بنا ونظن أنها القاضية، تفقد العقول حقها في التفكير باستثناء كيف السبيل للنجاة!!

موقف أجزم أن كل سكان الغوطة الشرقية مرَّوا به، نطقنا الشهادتين توقعا للموت بأية لحظة عقب سقوط أي شيء يهبط علينا من سماء الغوطة التي باتت مصدرا للموت من قوات الأسد، وكأننا فقدنا حقنا بالسماء، فقد احتلوها أيضا ولوثوها بدخان طائراتهم الحاقدة.

فيل لم ينفجر!!

لطالما تعرضت لمواقف مرعبة كان الموت بها قريباً مني قاب قوسين أو أدنى، إلا أنها للمرة الأولى أشعر برعشة في قلبي، حين بدأ القصف؛ دفعني زوجي لزاوية الغرفة وجعل من جسده درعا أحاط بي لعله يصد عني ما سيأتي من أهوال، يزداد الصوت قربا وتزداد سرعة نطقي بالشهادة، صوتا يشبه صفارات إنذار الحرب، وبدون أي صوتٍ للانفجار، فقط ضغط كبير وأصوات تحطم للزجاج وتصدع الأبواب الحديدية للدكاكين، وغبار يملأ المكان، بعدها هدوء تام حلَّ بينما كنا ننتظر انفجار هذا النوع الجديد من الأسلحة التي استهدفتنا اليوم، مرت دقائق ولم يحدث شيء، خرجنا من الغرفة وزوجي ممسك بيدي نمشي بهدوء في الممر وكأن ذلك الشيء سينتظر حركاتنا لينفجر، إلا أننا كنا نمشي على أعصابنا المتلفة حيث لم يعد بنا قوة لتحمل المزيد، نمشي على قلوبنا المنهكة التي تكاد ان تقف من أي خبر سيء.

خرجنا للشرفة فوجدنا كل أهالي الحي على شرفات المنازل، وبدأت التحليلات حول ما حصل، يأتي شاب ليخبرنا أنه صاروخ من نوع (فيل)، لكنه لم ينفجر لأنه سقط في المنطقة الخالية الواقعة خلف البناء، ومن شدة المطر تحولت لواحة من الوحل، هكذا فسروا سبب إخفاق انفجار ذلك الصاروخ، إلا أنني أقول أنها مشيئة الله ورحمته من وقوع مجزرة كبيرة، كان هذا النوع جديدا وبالطبع يتم اختباره علينا ليتأكد ذلك المجرم من فاعلية أسلحته، كان للصاروخ صوتا أقرب ما يكون لصوت الفيل فأطلقوا عليه اسم (فيل أبو زحطة) وأصبح مؤخرا أداة القصف الجديدة في ظل سوء الاحوال الجوية.

الناس سكارى وما هم بسكارى

تمضي بنا الأيام مسرعة ولا شيء جديد، إلا أعداد من الشهداء وإصابات وأيتام وأيامى وثكالى يواجهون مر الحصار بأنفسهم، فقد ضاقت الأيام أكثر وأكثر، حين أمشي في الطريق إلى بيت أهلي أرى الناس سكارى وما هم بسكارى، أحدهم يمشي ويكلم نفسه، وآخر يجلس منكسرا مهزوما على قارعة الطريق، أجسام هزيلة ووجوه شاحبة وأنفاس تخرج منا بشق الأنفس.

ومن أسوأ ما كان يحصل أننا كنا نتجرع السم بأيدينا تعويضا عن مذاق السكر الذي نكاد أن ننساه، حيث انتشرت في المحلات وعلى عربات البيع مادة تسمى (السكرين) والمخصصة بالعادة لمرضى السكري وبنسب قليلة جدا لكن أهل الغوطة باتوا يستخدمونها لتعويض الجسم عن رغبته بطعم الحلاوة الموجود فيه بالرغم من أضرارها العديدة، وأهمها السلس البولي.

الجوع والبحث عن ما يسد الرمق

كثيرا ما كنا نسمع عن أطفال سقطت في الشوارع أثناء بحثها عن شيء للأكل، أو شيوخ خرجوا للبحث عن أدويتهم، أو نساء خرجن مع هواء الصباح المجمد نحو الأراضي الزراعية التي لا أصحاب لها بحثا عن أوراق الفجل والخبيزة، كما وأصبحت الزهرة (القرنبيط) غذاء يوميا وكذلك الملفوف الذي أصبح بديلا للخبز.

كل ذلك السعي والبحث كان مشيا على الأقدام بسبب ارتفاع أسعار المحروقات بشكل جنوني، حيث قارب سعر ليتر البنزين حوالي العشر آلاف ليرة سورية في ظل غياب تام لمادة الغاز، وتم استبداله بأي شيء قابل للحرق من ثياب بالية وأكياس وأوراق أو حتى الجلة (وهي عبارة عن روث الحيوانات يتم تجفيفه جيدا واستخدامه للحرق).

لا يمكن لميت أن يساعد ميتا

في أحد زياراتي عند أهلي وبينما كنا نتحدث عن هذه الأيام المرة سمعنا صوتا ينادي، كان غير مفهوم بداية لكنه يقترب، نظرت من النافذة إنه رجل ستيني برفقته طفلة لا تتجاوز السبع سنوات وطفل آخر أصغر منها، كان الرجل ينادي بحرقة طلبا للعون ينادي وقهر العالم يسكن صوته والانكسار ظهر على ملامحه وقوامه، حيث أتعبه المشي المضني وسؤال الناس واستجداؤهم، إنه لا يطلب مالا يريد إطعام الأطفال الأيتام المرافقين له، لم يلبِ ندائه أحد فلا يمكن لميت أن يساعد ميتا، فالبيوت خالية من الطعام والبعض مشغول في البراري بحثا عن عشبة يغذي بها أسرته.

تملكني البكاء حاولت إغلاق أذناي أمسكت رأسي بكلتا يداي لا أريد أن أسمع المزيد، أهكذا أصبحنا؟ أرض الخير والعطاء أصبحت جائعة!! أهل الجود والكرم أصبحوا متسولين!!

والأسف الأكبر كان أنه لا يوجد من نتسول منه فالكأس مرٌّ والجوع يطوف كل بيوت الغوطة ويسقي قهر تلك الأيام للناس بسخاء.

وداع جديد

ما زالت الأيام تمضي والشتاء وكأنه يطول ويمتد وبينما أقوم بترتيب المنزل، طرق الباب، كانت جارتنا أم رامز المسنة التي تريد الذهاب إلى برزة أعطتني كيساً ومفتاح بيتها وقالت “هاد الكيس إذا رجعت أو لم أرجع فهو إلك صحة وهنا وإذا ما رجعت معك مفتاح البيت هو بأمانتك ويلي فيه حلال عليكم” ودعتني وخرجت.

تخنقني لحظات الوداع لا أحتملها من كثرة ما ودعنا وفارقنا، ظننت ذات يوم أني سأستيقظ وأجد نفسي وحيدة في الغوطة فقد كان الناس يخرجون من معبر الوافدين وعبارة حرستا بأعداد لا بأس بها هربا من القصف والجوع، لكن المطلوبين للأفرع الأمنية أنى لهم أن يهربوا وأي مكان يؤويهم بعد بلدهم؟!

حل المساء وعاد زوجي إلى المنزل وأخبرته عن الجارة وأنا أحاول الوصول إلى مكان لشبكة الهاتف، فتصلني رسالة منها تخبرني أنها وصلت بخير وسلامة وأن أذهب لبيتها وأتفقده حالا، لم أفهم طلبها وإلحاحها لكني ذهبت ولم أكن أعرف ما ينتظرني، حينما دخلنا وصدمت مما رأيت..

البكاءالتسولالتغريبة الشاميةالخيرالعطاءالغوطةالفيلمحطاتنور الشامي
Comments (0)
Add Comment