الرسوم المتحركة.. من صناعة البراءة إلى الاستيلاب

إن عملية إنشاء وعي الطفل وتعليمه منطق التفكير والحياة هو أولوية المجتمعات الحديثة، ولذا نشاهد في الدول المتقدمة التركيز على الأطفال وما يمكن أن يمثلوه من قيم لمجتمعاتهم عندما يكبرون، وبغض النظر عن الآراء التي تقول بأنّ صناعة الطفل ليست سوى زراعة وعي مسبق وإقناعهم أنه الحقيقة لتسخير هذا الإنسان مستقبلاً ليكون جزء من أداة إنتاجية في تطوير المجتمعات وعدم اكتراث لنزعاته الفردية إلا بما يحقق شكل اجتماعي تقليدي ومتحرر في مسائل صغيرة، إلا أنّ هذه التربية الأولى وإعطاء الاهتمام الكافي له، يحقق الشرط الإنساني الأساسي لفكرة الوجود، أنّ هذا الطفل لا يتم التعامل معه باعتباره تحصيل حاصل للسنّة الكونية، إنما إحساس عالٍ بالمسؤولية وليس إلباسه عباءة الغيب والرزق الذي يأتي مع ولادته كما في مجتمعاتنا.

ورغم ما تتمتع به بعض الدول الحالية من أساليب متطورة في التنشئة الحديثة، إلا أنّ جزءً من هذا العالم وليس ببعيد كثيراً كان يتم التعامل مع الأطفال كهدايا وهبات، حتى في الدول المتقدمة، ويمكن أن نقول بأن الأمر لم يمضي عليه أربعون عاماً أو أكثر بقليل.

الطفل لا يتم التعامل معه باعتباره تحصيل حاصل للسنّة الكونية، إنما إحساس عالي بالمسؤولية وليس إلباسه عباءة الغيب والرزق الذي يأتي مع ولادته كما في مجتمعاتنا.

منذ نصف قرن كان لا يزال إنجاب الأطفال يتم دون فهم حقيقي لمستقبلهم، والتعامل مع وجودهم كحقائق ثابتة إن كان في مجتمعاتنا وإن كان في مجتمعات متطورة، وفي هذا الزمن نشأت أجيال يمكن أن نقول عنها حالياً هي الأجيال التي تتراوح أعمارهم اليوم بين الثلاثين والخمسين، وهؤلاء الذين عاصروا نمط تهذيبي من التربية لكن دون تدخل الأهالي بشكل مباشر، إنهم جيل التلفزيون، أو ما يُطلق عليهم جيل الرسوم المتحركة. الجيل الذي عاصر والت ديزني بأفلامه الأولى كسندريلا وبينوكيو وأليس في بلاد العجائب وبياض الثلج، أو حتى نشأ وعيهم على توم وجيري وباباي وميكي ماوس وفيلنستون والسنافر في عالم هوليود، وبغض النظر عن ما حملته بعض حلقات تلك الرسوم من أهداف ثقافية مسيسة وممنهجة كالمرأة السوداء في توم وجيري أو الانتصار الأمريكي على النازية في دونالد البطة، إلا أنّ تلك البرامج حملت أفكار تربوية ممتعة نشأت عليها أجيال في العالم بأسره.

ساندريلا في عالم الكارتون (يوتيوب)

وعلى الطرف المقابل من هوليود وعالمها، كان هناك منافس يقدّم وعي ثقافي مختلف ويحمل قيم باعتماده ليس على الخيال فحسب، بل على آداب العالم في تحويل القصص العالمية إلى برامج للأطفال، وهو عالم اليابان التي حفرت مكاناً لها في الذاكرة حتى اليوم. الليدي أوسكار، سنان، سالي، ساندي بيل، عدنان ولينا، بيل وسباستيان، الحوت الأبيض، ساسوكي، غراندايزر، السيدة ملعقة، ريمي، جزيرة الكنز، ماوكلي، نيلز.. الخ بمئات من الرسوم الأخرى.

لقد حمل ذلك العصر ثقافة مختلفة ووعي أجيال تمسكت بعناصر أكثر انسيابية للتعامل اللطيف والبراءة والاحترام والشجاعة ومساعدة الناس والعمل مع الآخرين. كان هناك قيم تُطرح بوضوح في تلك الرسوم، وهو على النقيض كلياً من عالم اليوم، أو للدقة عالم ما بعد التطور التكنولوجي، مما يمكن إطلاق جيل نهاية التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، ممن تتراوح أعمارهم اليوم في العشرينيات.

توم وجيري(يوتيوب)

جيل لم يعد قادراً على الاستمتاع بمشاكسة توم لجيري، ولا قادر على التعاطف مع نهاية أوسكار أو الفرح العفوي لسباستيان، جيل يمكن وصفه بأنه يبحث عن قاتل في المحقق كونان؛ حالة من العقل والبحث والاكتشاف بغض النظر عن أي قيمة يمكن للشخص أن يعيها أو يتعلمها وتكون جزءً من ثقافته ووعيه الإنساني في الواقع.

جيل نشأ كلياً في عهد التفوق التكنولوجي وسرعته فمن الطبيعي ألا يمتلك روح الانتظار والصبر، إنه يريد السرعة والانجاز والتفوق والشهرة، وهذا تماماً ما تقدمه اليوم الرسوم المتحركة التي ما زالت تعمل ويتم إنتاج مئات من الأفلام والبرامج لكنها جميعاً تدخل في مفاهيم السوق والتفوق والتصارع لتحقيق الانجاز والأشخاص الذين يبحثون عن أعمال لتحقيق ذواتهم فيتم لهم من خلال الانصياع لجهة معينة، أو عروض تهكمية دون أي معنى، سبونج بوب أو القناص أو داي الشجاع أو دراغون بول.. الخ. أجيال تقوم على مفاهيم القوة والقتل والاكتشاف وإلحاق الهزيمة بالآخر وإثبات الذات للآخرين أو تقديم انصياع الكيانيات في أيدي آخرين للتحكم بهم كالبوكيمون.

من مسلسل ريمي للأطفال(يوتيوب)

إنه إنشاء طفل استيلابي بالمعنى الثقافي، خاضع للآخر دون أي قيمة معرفية أو أخلاقية سوى مفهوم السوق والتفوق والتصارع وإغراقه في عالم مليء بالألوان والتكنولوجيا والتطور والرفاهية.

إنشاء طفل استيلابي بالمعنى الثقافي، خاضع للآخر دون أي قيمة معرفية أو أخلاقية سوى مفهوم السوق والتفوق والتصارع وإغراقه في عالم مليء بالألوان والتكنولوجيا والتطور والرفاهية.

لقد لعبت الرسوم المتحركة خلال تاريخها الطويل الذي لا يمكن حصره هنا، بدور ريادي فعلي بتنشئة أجيال كثيرة ثقافياً وإنسانياً، لكن هذا الدور منذ ربع قرن حتى اليوم لم يعد يريد أن يتخذ هذا المنحى الأخلاقي، إنه يريد كائناً أنانياً متفوقاً على الجميع وبأي طريقة كانت، كائن مستلب العواطف والأفكار، لا يهتم سوى بذاته في تحقيق غايته، وتعليمه أنّ صناعة الفرد لا تقوم على ما يمكن أن يُفيد نفسه به ويطوره في ذاته لتحقيق فردانيته، إنما قوته وتلاعبه ووسامته وانصياعه هي العناصر الحاسمة لتحقيق ذاته دون مراعاة أي شيء آخر.

إنها صورة منعكسة للواقع الثقافي التكنولوجي والإنتاجي الحر الذي نعيشه. الرسوم المتحركة اليوم هي هذه الصورة المنعكسة التي يتم من خلالها إنشاء أطفالنا في كل العالم، متفوقون لكنهم استلابيون دون أي معنى عاطفي في ذواتهم.

صورة تجميعية لأعمال كارتون للأطفال(قناة الغد)
الاستيلابالرسوم المتحركةالقصص العالميةالليدي أوسكارجزيرة الكنزريميساسوكيسنانصناعة البراءةعلي الأعرجغراندايزروالت ديزني
Comments (0)
Add Comment