التعليم لدى الأطفال وأهمية توفر الأنشطة الترفيهية في المدارس

الثورة التكنولوجية والتطور الهائل بأنظمة المعلوماتية أتت نتيجة عقل مبدع، عقل يعمل خارج المألوف بحرية تفكير غير محدودة. اليوم تولي الدول عناية خاصة للمبدعين من الطلبة وتقدم كل المحفزات لهم، وفق أبحاث عديدة فإن النمو الاقتصادي وثم الاجتماعي والثقافي، وانتقال الدولة من دولة نامية إلى صناعية، رهن بأبنائها المبدعين؛ واكتشاف المواهب وتنمية والمهارات، يتطلب بيئة ملائمة.

مرحلة التعليم الأساسي الوسط الأهم لتكوين شخصية الطفل

وفق الدراسات فإن مرحلة التعليم الأساسي وما قبل المدرسة هي الوسط الأهم لتكوين شخصية الطفل ووعيه. وبقدر ما يُتاح للطفل فضاء أرحب للحرية باللعب والغناء والتعبير، ومقدار أقل بكثير من الممنوع والعيب والتوبيخ، وبقدر ما نبتعد عن التلقين ونهتم بتدريب الأطفال على طريقة مختلفة بالتفكير؛ تتقوى بنيتهم النفسية والبدنية ويتفتح ذهنهم ليبتكر ويبدع. من الباحثين من يرى أن الخيال والألعاب والموسيقى والرسم والفنون الأخرى من العوامل المساعدة في تنمية التفكير الإبداعي.

ومع مراعاة الظرف القاسي الذي يعيشه أولادنا، وحجم العنف الذي تعرضوا له، أو شاهدوه، أو عايشوه، وما تركه من أثر على بنيتهم النفسية، وتجلياته من فقد الثقة بالآخر وبالنفس، والخوف، والسلوك العدواني والتشتت وعدم التركيز، الأمر الذي ينعكس سلباً على قدرتهم على الاندماج من جهة وعلى تحصيلهم العلمي من جهة ثانية.

بلا شك للأطفال بحالة الحرب ظرف خاص وتعامل مختلف وهذا حال أبناءنا لجهة الظرف الخاص، دون الالتفات إلى التعامل معهم بشكل خاص.

الحصة “الترفيهية”

بسؤال عدد من العاملين في قطاع التعليم حول الحصة “الترفيهية” في مدارس السوريين، كانت الإجابات تتراوح بين غياب كامل لهذه الحصة، أو موجودة إنما تلغى لمصلحة مادة درسية أخرى، أو موجودة وتنفذ بطريقة سيئة، فلا تحقق الغاية منها؛ والأسباب إما مادية أو عقائدية، أو ضغط المواد بحيث لا يتبقى وقت لحصة “ترفيهية”، فالأولاد يلعبون كل اليوم ولن ننفق من وقت التعليم أو ندفع أجور إضافية أووو.

السيد عبد السلام محمد مدرس يقول: “يحدّد نصيب الحصص الترفيهية بمعدل حصتين أسبوعياً، للفنّية واحدة وللرياضة واحدة، وقد تزيد الرياضة حصة أخرى في المرحلة الابتدائية”، ويستدرك، “ليس المهم حصتها بقدر إنجازها روحياً وجمالياً وجسدياً، في الغالب يتم التعاطي معها بوصفها فضلة وإتمام نصاب دون النظر الى أهميتها، بخاصة في ظروف النزوح المتكرر، حيث من المفترض أن تولى عناية فائقة كمّاً ونوعاً، لما لها من قدرة على امتصاص الوهن النفسي الذي يعاني منه الأطفال اللاجئون”.

ويضيف: “هذا لم يتوفر في المدارس التي للأسف تحكم بعضها أيدولوجية تريد الوصول إلى عقل الطفل وترسخ في وجدانه، بعيداً عن المكسب الفردي من تلك الحصص في بناء القدرات الروحية ومقاومة استلاب النزوح المتواصل لها”.

أهمية الرياضة في حياة الطفل(انترنت)

معايير التعليم في الكوارث

يقول محمد بحرقة، “في الحقيقة لا تبذل جهود للتعاطي مع التعليم في حالة اللجوء بشكل عام فكيف في الترفيه”؟

ويضيف “من المعروف عالميا أن التعليم في فترات الحروب والكوارث له معايير مختلفة؛ أهمها تخفيف المناهج الدراسية، أو وضع مناهج خاصة تأخذ بعين الاعتبار الظروف المعيشية الطارئة، ويتم فيها اعتماد طرق تدريسية مختلفة تعزز التشاركية وروح الفريق ورفع المهارات، إضافة لضرورة توفر آلية اختبارات مختلفة تأخذ بالحسبان ضعف التذكر وعدم القدرة على الصبر وإمكانات الشرود المتكرر عند الطفل اللاجئ، وكل ذلك لا وجود له”. ويتابع؛ ما جرى نقل الداخل إلى الخارج بكل ما فيه من ويلات”.

اختتم محمد حديثه باقتراح، “أقترح فقط أن يقوم برعاية التعليم من هم أهل له، التعليم اليوم أشبه بعمليات الإغاثة والفعل الخيري فلا خبرة ولا اختصاص بل تراكم غايات دينية وسياسية، هي آخر ما يمكن أن ينفع الطالب في مراحل تعليمه المختلفة. ولا بد من إنقاذه من براثن لصوص يسرقون فيما يسرقون مستقبله ومستقبل بلدنا”.

من المهم أن تكون أوقات الأطفال مليئة بما يحبون

الآنسة سمية شيخ حسن مدربة تنمية بشرية، تقول: “من المهم أن يشعر الأولاد بأنهم ينجزون شيئاً مهماً، ومن المهم جداً أن تكون أوقاتهم مليئة بما يحبون، والأهم أن يفرغون طاقاتهم بعمل نشاطات يحبونها. في مدارسنا الطالب متلقٍ فقط، ليس لديه متسع للتعبير عن رأيه أو المشاركة، ليس لديه فرصة لاكتشاف مواهبه، وغير قادر على أن يفرغ طاقاته ويعبر عن مشاعره من خلال حصص الرسم والموسيقى والرياضة والأنشطة، فتبتعد الموهبة وتتبدد معها القدرة على خلق الإبداع، في الوقت الذي تُعتبر هذه المواد محفزات قوية على الدراسة والالتزام بالمدرسة وزيادة التحصيل العلمي”.

أهمية الأنشطة الترفيهية للأطفال(فيسبوك)

الرسم والموسيقى حرام

السيد لاواند محمد، لاعب جودو، أراد مع مدرس رسم ومدرسة موسيقى أن يعملوا بشكل تطوعي مع المدارس، ويقدموا خبرتهم لإخوتهم، يقول: منعونا من العمل وطردونا من المدرسة مع التهديد. فنحن من وجهة نظرهم “نريد أن نعلم الفسق” للأولاد”.

يتابع لاوند، “المواد الترفيهية يقتصر وجودها في بعض المدارس على المرحلة الابتدائية، والسبب كما يبرر مديروا هذه المدارس يعود إلى عدم وجود مكان لممارسة الأنشطة، أو بسبب نقص التمويل، فلا يتاح دفع أجور معلمين لتلك المواد ولا إحضار المواد اللازمة، أيضاً لعدم توفر الوقت لكافي لإنهاء المقرر، فيتم استبدال الحصة الترفيهية بمادة درسية.

ومحاولاً وضع الإصبع على الجرح، يقول لاوند، “بالواقع أغلب المدارس في هذه المدينة تعتبر الرسم والموسيقى حرام ولذا تمتنع عن إضافة حصص لهذه المواد، وتستبدلها بمواد إسلامية متذرعة برغبة إدارات سلطات الأمر الواقع، متجاهلين حاجة الطفل لفسحة نشاط يفرغ طاقته من خلالها سواء أكان موسيقا أو رياضة أو رسم، وتساعد على تطوير مهاراته وإطلاق طاقاته الإبداعية”.

لاوند يرى الحل بفرض “المواد الترفيهية في المدارس، وإن لم يتسن ذلك يمكن تغطية احتياجات الطفل بهذا المجال من خلال المعاهد والبيوت والمنظمات الثقافية، التي تعمل في المجال الترفيهي الموجه للأطفال، والتي هي بحاجة أيضاً إلى الدعم”.

الفنون بأنواعها غذاء فكري ونفسي للأطفال

السيدة شيماء اليوسفي، مدرسة متقاعدة، تقول “للفن والرياضة دور هام باكتشاف مواهب الأطفال وزيادة تحصيلهم العلمي وتجنيبهم العنف اللفظي والذهني من خلال ما يشكله من دعم نفسي لهم. إلا أن نقص التمويل، وارتهان المدارس إلى منظمات داعمة تنفذ أجندات سياسية، يقف وراء غياب هذه الحصص عن جدول الطالب اليومي”.

ترى اليوسفي الحل “بإيجاد مرجعية واحدة للعملية التربوية والتعليمية وعلى أسس (وطنية، اجتماعية وإنسانية) وعلى أن تعلو هذه المرجعية على أي توجهات سياسية، إضافة إلى زيادة عدد الساعات الدراسية اليومية لتشمل باقي الحصص (المسرح، الرياضة، الرسم، الموسيقى والغناء) وتأمين كوادر مختصة أو قادرة على العطاء”، واختتمت حديثها بأن “الفنون بأنواعها تحمل رسائل توعوية وإنسانية وهي غذاء فكري ونفسي للأطفال واليافعين.

صورة تعبيرية الأنشطة الترفيهية للأطفال(بنغوينغ)

ضرورة تحييد الأطفال عن التجاذبات السياسية والمصالح الضيقة

الكاتبة والأديبة ندى الحسناوي، تهب أبعد في تحديد أهمية الحصة الترفيهية للأطفال في المدارس، تقول: “بلدنا تحتاج إلى أطفال يتمتعون ببنية جسدية ونفسية سليمة؛ إحدى الأدوات لذلك هي الموسيقى والرياضة والرسم ومختلف أنواع الفنون؛ حتى ترتقي مشاعرهم، وتتهذب عواطفهم لتتخلص من الكره والرغبة في الانتقام.

الحسناوي، تعتبر أن “الموسيقى تعوّد على التركيز الذهني والتفكير العميق، فتتطور الملكات العقلية، هي كما الرسم والتعبير الحركي، تدرب على العمل الجماعي وتقوي علاقات التواصل، كما تطلق حرية العقل وحرية التعبير عن المشاعر الدفينة. ليتم تجاوزها”.

وتعتبر الحسناوي أن من يجب عليه القيام بهذا الدور “معلمون محبون للوطن، مؤمنون بأن الإنسان هو الغاية والهدف والأساس، مؤهلون ومدربون على أصول التدريس الحديث وطرق التعامل مع الأطفال، مع إدارة تعليمية منفتحة العقل، ومتحررة من الأيديولوجيات، تؤمن بدور التفكير المبدع الحر في بناء الوطن.

تختم حديثها، “نحن بحاجة إلى تحييد أبناءنا عن التجاذبات السياسية والمصالح الضيقة”.

الأطفالالأنشطة الترفيهيةالتعليمالمدارسالوهن النفسين اللاجئونميرا اليازجي
Comments (0)
Add Comment