أم العريس لاقينا وبالزلغوطة حيينا… الشباب وهم يهتفون باستقبال المعتقل الحر

محطات من التغريبة الشامية(6)

كانت لأخي له قصة يطول سردها، تم اعتقاله في كمين مدبر، بعدما خرج مع العديد من الشبان نصرة لدماء الشهداء الذين قضوا في سبيل الحرية، بعد أن حوًل النظام ثورتنا السلمية، وأجبر الأهالي لحمل السلاح، دفاعاً عن أهلهم وأرضهم.

ابنك هرب ياخيي ابنك بخير وسلامة”

ذات مساء في ليلة هادئة قبل موعد الزفاف بيومين، سمعنا صوتا عاليا ينادي، كان صوت عمي، أطل والدي من النافذة متكئا على عكازه ـ بسبب كسر بسيط في قدمه ـ سأله عمي: “وين ابنك؟!”
فيجيبه والدي: “أي واحد فيهم؟!

أيقن عمي أننا لا نعلم شيئا، فقال وهو يغالب بكاءه، بصوت عال مسكون بالفرح والفخر، “ابنك هرب ياخيي ابنك بخير وسلامة”.

نكاد لا نصدق ما نسمع، أبي ترك عكازه وجرى مسرعا ليتأكد من الأخبار متجاهلا كسر قدمه وألمه، أنا وأمي وأختي في نوبة بكاء لا تنقطع، فرحين جداً، لكن نخشى أن يكون خبرا كاذبا، دقائق وتصل أعداد كبيرة من السيارات المليئة بالشبان ليجتمعوا أمام منزلنا، يأتي أخي الثاني محمر العينين، أمسكته من كتفيه لأسأله عن الخبر لكنه صفعني، صدمت بفعله، قال لي “أخوكي هرب هو ع الطريق أخدوه ع الطبية بالأول”، فكانت صفعته تعبيرا عن فرحه وعدم تصديقه ما يحدث رغم أنه شاهده بعينيه وعانقه.

يزداد تجمع الشباب أمام المنزل، وتبدأ نساء أقاربنا بالقدوم إلينا ليشاركننا فرحتنا، حتى جدتي رغم كبر سنها وتعبها صعدت درجات المنزل بخطوات ثقيلة تنادي ابنتها وتهلل لها، أمي ما زالت في حالة صدمة فرح، قطع صدمتها ودموعها أصوات زمامير سيارات كثيرة بموكب مهيب يليق ببطل حارب وقاتل فاعتُقل وعُذِّب وهرب.

أم العريس لاقينا وبالزلغوطة حيينا

وصل أخيرا، نعم رأيناه ها هو محمول على الأكتاف وسط ذلك الحشد الكبير أصوات الطبول والعراضات الشامية تملأ الحي، جميع النسوة يختلسن النظر من النوافذ، تختلط دموع فرحهن بدموع الأسى على من بقي في المعتقل، يهتف الشبان في عراضتهم على والدتي قائلين: “أم العريس لاقينا وبالزلغوطة حيينا” فتخنقها العبرة أكثر ملوحة لهم بيدها، داعية الله أن يكمل فرحهم ويبعد القصف عن تلك الجموع الغفيرة.

وأخيرا ترك الشباب أخي ليصعد إلينا وبدأوا بمغادرة المكان، وقفنا مع أمي عند الباب تنتظر وصوله، النساء حولنا في تهليلات مستمرة، وصل إلينا يمسكه والدي من طرف وأخي من طرف آخر كعريس لكنه من نوع آخر، عريس ولد لتوه من جديد إلى الحياة بعدما كان سينفذ فيه حكم الإعدام في اليوم التالي ـ هكذا حدثنا لاحقا ـ.

رأت منزلها يحترق

فور ودخوله من الباب انكب على قدمي والدتي الباكية، تلك المرأة القوية التي وقفت كالجبال الراسخات في وجه كل المصائب التي واجهتنا، ظلت مقاومة صامدة حين اعتقل أخي الصغير الذي لم يتجاوز الخمسة عشر عاما في بداية الثورة وخرج بعد يومين، وبقيت صنديدة حينما داهمت قوات الأمن منزلنا وعاثت فيه خرابا، لنعود خلسة في تلك الليلة لنأخذ ما بقي صالحا غير مدمر، ليعودوا بعدها بيوم واحد فقط ويحرقوا المنزل بما فيه، كانت في المنزل المقابل ترى منزلها يحترق وتحترق معه كل ذكريات طفولتنا وأملاكنا.

بقيت السند والداعم لنا في كل الأيام المريرة، انحنت على أخي لترفعه إليها لكن تعب السنين كلها داركها ركعت على الأرض معانقة له بشدة، تقبله بحرقة رغم ثيابه التي تبللت بمياه الصرف الصحي الذي هرب عبره.

كنت أراكِ كثيرا في منامي

ما زالت جروحه الظاهرة نتنة بلون أخضر ينم عن وجود انتانات والتهابات شديدة، لم يهمها الأمر فابن قلبها بين يديها مسك وريحان، تركته كي يتسنى لنا أن نسلم عليه عانقني بشدة همس في أذني “كنت أراكِ كثيرا في منامي، كنتِ حزينة متعبة” لم يعرف أن غيابه كان مرهقا حد الألم، نظر إلى جانبي فرأى شابة يافعة غير محجبة لم يتعرف عليها بداية، قالت له أمي: “هي مدللتك” ـ تقصد بقولها أختي الصغرى ـ لكنها تغيرت في غيابه، أصبحت شابة بقامة ممشوقة فاتنة، عانقها باكيا “كبرتي بغيابي” هكذا خاطبها معاتبا، وكأن الأيام ستنتظر أحدنا ينهي مصابه حتى تستمر، سلم على كل الموجودين وجلسنا نتفرج عليه وكأنه بطل من هذا الزمن.

أخبرته والدتي أن زفافي بعد يومين ففرح وصدم في نفس الوقت قائلاً: “بدك تروحي بعد يومين ولسا ما شفتك” فقررنا تأجيل الزفاف أسبوع آخر حتى يتسنى لنا رؤيته جيدا واستقبال المهنئين الذين توافدوا من كل البلدات، إما لتهنئته بسلامته، أو لسؤاله عن المعتقلين الذين كان معهم، لعلهم يجدوا خبرا عن فقيدهم عنده.

أم العريسالتغريبة الشاميةالحرالزلغوطةالشبابالمعتقلقوات الأمننور الشامي
Comments (0)
Add Comment