5 ساعات دفا

طرق التهريب ما خفي أعظم

“مشان الله جمدنا، رجلينا خشبت” هذا ما قالته أمّ حمزة في المقطع الصوتي الذي أرسلته لي ليلة أمس.

871
الأيام السورية | آلاء محمد

أمّ حمزة امرأة سوريّة شابة لديها ثلاثة أطفال، قُتل زوجها في معتقلات النظام السوري، عائلتها منكوبة لديها ثلاث أخوات أرامل قُتل أزواجهنّ خلال الحرب، وكذلك أشقّاؤها الثلاثة، وبقيت مع شقيقاتها تصارع الحياة بكلّ قسوتها.

هُجّرت أم حمزة من جنوب دمشق إلى إدلب، وبقيت أربعة شهور في المخيمات حتى قرّرت أخيراً الهروب إلى تركيا علّها تجد عملاً يعيل عائلتها الصغيرة، ومن هنا بدأت الصعوبات تزداد أكثر.

“المهرب ابن حلال مارح ياخد مني كتير..حكيتلو عن وضعي ورح يطلعني من طريق مأمّن” تخبرني عن وضعها عبر مقاطع صوتية بشكل دوري لأطمئنّ عليها، فهي لا تعرف أحداً غيري في تركيا.

رسالتها الساعة 9:26 مساء يوم الثلاثاء “رح نطلع هلأ والمهرب طمني رح نوصل الصبح ونحكي معكم” وبدأت رحلتنا مع انتظار وصولها.

وفي صباح يوم الأربعاء أرسلت لي مقاطع صوت تقول فيها أنها ومجموعة من الناس في غرفة بين الغابات وضعهم فيها المهرّب وذهب، اعتقدوا أنهم وصلوا إلى تركيا..”نحنا وصلنا عتركيا وقاعدين بغرفة صغيرة الدنيا زمهرير رح نموت من البرد..مشينا كتير وفرطنا من التعب الولاد عم يبكوا وحالتنا تأسّي وماعاد نقدر نمشي على رجلينا”..

الغرفة التي يوضع فيها الناس بين الغابات على الحدود بين سوريا وتركيا

وعدهم المهرب أنّه سيأخذهم خلال دقائق إلى أنطاكيا ومن هناك كل شخص يذهب حيث يريد، لكنّ الدقائق أصبحت ساعات.

تركهم في تلك الغرفة الباردة وسط الغابات عشر ساعات ثم عاد وطلب منهم أن يمشوا قليلاً بعد، لكنّ الأطفال كانوا متعبين جداً والجو بارد والمطر شديد.

“مشان الله رجلينا خشّبت من البرد والمهرب ابن الحرام تركنا وراح، وفي ولد صار يطلع الزبد من تمو” كانت هذه رسالتها بصوت مرتجف منتصف ليلة الأربعاء، وسط أصوات الناس ودعائهم.

بعد أكثر من 24 ساعة وسط الصقيع والمطر لم تنجح محاولتهم في العبور إلى تركيا والوصول إلى بر الأمان.

“ساعدونا مشان الله ابعتولنا الشرطة.. احكو مع الجندرما يجو ياخدونا ماعاد بدنا نفوت الأولاد رح نموت ما عاد فينا نتحمل”.

وهنا انقطع الاتصال مع أم حمزة، ولم تعد رسائلي تصل إليها، خفت كثيراً وبدأت أقلق.

أصابني العجز وقلة الحيلة، فهي ليست في سوريا حتى أرسل أحداً يساعدها، وليست في تركيا لأذهب إليها بنفسي.

جلست أنتظر وكنت أتابع هاتفي بشدة حتى أنني نسيت طفلي الرضيع جانبي، كنت أنظر إليه شاردة الذهن أفكر بابنة عمي العالقة في الجبال والوديان، وأفكر بعجزي عن مساعدتها..”ماذا أفعل يالله.

رنّ هاتفي ووصلت رسالة منها في تمام الساعة 2 بعد منتصف الليل..”أنا صرت بأنطاكيا.. الجندرما التركية أسعفوني أنا وولادي عالمشفى وهلأ نحنا دفيانين بس الصبح رح يرجعونا عسوريا”.

“كانت ليلة خوف متنا ورجعنا حيينا من جديد، يالله لو شفتي حالنا يبكي الحجر”..”أكثر من 24 ساعة بالبرد والخوف.. أسوأ وقت مرّ علي بحياتي بس الحمد الله بالمشفى التركي قعدنا خمس ساعات دفيانين”.

قصة أم حمزة.. هي قصة يعيشها آلاف السوريين بتفاصيل وروايات مختلفة، قهر وألم وقدر لا يستطيعون الوقوف في وجهه.

يعيشون في المخيمات الغارقة بمياه السيول، والحدود غير الآمنة التي ربما تُنهي حياة أحدهم برصاصة أو متجمّداً من شدة البرد..

بينما نرى شعوباً كثيرةً في هذا الوقت يعيشون أعيادهم بدفء وحبّ وأمان.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.