22 شباط.. مقاربات في ذكرى الوحدة

لماذا غابت الوحدة ليس من برامج الأنظمة وحسب بل من الحضور الحي بين الناس درجة أن أجيال وأجيال لم تعد تفكر، أو تحلم بها؟ هل هي طبيعة أنظمة ما بعد هزيمة حزيران، وما موضعته من وقائع؟

45
بقلم: عقاب يحيى

تؤلم الذكريات حين تتحوّل إلى شيء من التلاشي، تذروها ريح الأعوام وتبعدها عن أفق الرؤيا درجة يصعب رؤيتها في الحاضر، فتتراكم العقود مكوّنة طبقات صمّاء من النسيان المفروض، وكأننا كنا نعيش تلك الوقائع من قرون وقرون ولم تعد لها أية آثار.

ـ كانت الوحدة الشعار الأكثر شعبية على مدار عقود مقاومة المستعمر، والخروج من سيطرته المباشرة، وقيام ما يعرف بنظم ما بعد الاستقلال، الوطنية منها والنص نص، أو التي حُسبت طويلاً على حركات التحرر الوطني والقومي.. فنجحت في شحذ عواطف أغلبية العرب، وألهبت اندفاعهم الواعي والغريزي بحثاً عن تجسيد لها اعتبرته معظم أحزاب تلك الحقبة الركن الرئيس في مواجهة تركة المستعمر الثقيلة، خاصة التجزئة التي اعتبرتها أغلبية الحركات القومية مفروضة بفعل المؤامرة الخارجية، خاصة اتفاقية “سايكس ـ بيكو” دون الأخذ بالاعتبار التفاوتات القطرية، وأثر الدولة القطرية التي تقف كالسدّ، وكان الأمل أو الرهان في بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات لا يمكن لها أن تواجهها إلا بالوحدة، بكل تلك الاختلاطات عن إعادة، أو بعث أمجاد الماضي، أو الجنوح اليساري المتناغم مع طبيعة تلك المرحلة التي انقسم العالم فيها إلى معسكرين، وألزم كثير من الدول والقوى الناهضة إلى الاصطفاف مع المعسكر الاشتراكي، لأسباب كثيرة يطول شرحها.

ـ كان المدّ الوحدوي في سورية شاملاً يعصف بجميع الأحداث، ويدفع أغلبية القوى السياسية إلى الانضواء فيه، وقيادته، أو ركوب موجه، وكانت سورية، رغم سلسلة الانقلابات العسكرية، تنمو تجربتها الديمقراطية التي برزت فيها القوى القومية داخل مجلس النواب، وتناغم عديد الضباط مع ذلك المدّ وكان لهم اليد الطولى في فرض الوحدة الاندماجية على كل من عبد الناصر والحكم في سورية.. فكانت الوحدة.

ـ كُتب، وقيل الكثير في أخطاء الوحدة، وأسباب سقوطها، وتراكب العوامل الذاتية مع الخارجية، لكن السؤال الذي يقرع ضمير التاريخ، والأجيال المتعاقبة، والتي لم يعش كثيرها تلك المرحلة، أو مؤثرات ذلك المدّ، هو لماذا غابت الوحدة ليس من برامج الأنظمة وحسب بل من الحضور الحي بين الناس درجة أن أجيال وأجيال لم تعد تفكر، أو تحلم بها؟

كان المدّ الوحدوي في سورية شاملاً يعصف بجميع الأحداث، ويدفع أغلبية القوى السياسية إلى الانضواء فيه، وقيادته، أو ركوب موجه، وكانت سورية، رغم سلسلة الانقلابات العسكرية، تنمو تجربتها الديمقراطية التي برزت فيها القوى القومية داخل مجلس النواب.

ـ هل هي طبيعة أنظمة ما بعد هزيمة حزيران، وما موضعته من وقائع كانت القطرية، والحفاظ على الدولة القطرية من أهم الأسباب؟،أم بالتراكب مع ما يعرف بمرحلة الردّة حين قامت أنظمة جديدة من أحشاء السابقة تدفن القديم، والقضايا العامة القومية وتستبدلها بأخرى متراجعة، ومنكفئة.؟.

ـ عوامل متراكبة أدّت إلى وأد حلم الوحدة، كان النظام العربي المسؤول الأول فيها. أكثر من ذلك فذلك النظام بطبيعته الاستبدادية، وقمعه للحريات، وتغييبه للشعب العامل الحاسم في تجويف القضايا الوطنية والقومية، والانكفاء نحو الداخل، وصولاً إلى الأزمة العميقة للدولة القطرية المهددة بأكثر من عامل وشكل للانقسام، والحروب الأهلية.

ـ مع ذلك فإن المخاطر المحدقة بالوطن العربي من كل حدب وصوب، ومنها عمليات تفتيت جديدة ستكون أقسى وأشدّ من نتائج اتفاقية “سايكس ـ بيكو”، وطبيعة التحولات العالمية تستدعي، وتفرض أشكالاً من العمل الوحدوي ولو بحدوده الدنيا من العلاقات الثنائية والبينية، وفي مجالات مختلفة كالاقتصاد والتعليم والثقافة وغيرها، وسيبقى ذلك بديلاً للتناحر، والنزيف الدائم، والذي لن ينتعش ويتولّد إلا في ظل أوضاع دمقراطية يكون للشعب فيها قراره.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.