سورية واللعبة الجيوسياسية التي تتغير – سعود كابلي

ما يحدث اليوم في سورية حرب إقليمية، وللحرب قواعدها ومقتضياتها، ولكن هذه المقتضيات لم تتحقق بعد كون الخطاب الذي لا يزال ساريا هو محاولة لاصطناع عقلانية محايدة تخرج بحل سياسي

الكتابة عن الوضع في سورية اليوم معقدة بتعقيد السياسة السورية نفسها، التي منذ عهد رئيسها السابق حافظ الأسد جعلت من سورية مركزا يجمع المتناقضات في ذات الوقت، فسورية التي روجت لنفسها على أنها رأس المقاومة ضد إسرائيل في المنطقة هي نفسها التي لم تطلق رصاصة واحدة على الجولان منذ احتلاله، وسورية التي مدت جسور التعاون الاستراتيجي مع إيران هي نفسها التي شاركت قوات التحالف في حرب الخليج وحافظت على علاقتها مع الخليج، وهي نفسها سورية التي مدت جسور التعاون الاستراتيجي مع تركيا على حساب إيران.

الجغرافيا السياسية للدولة السورية هي نعمتها ونقمتها في ذات الوقت، موقعها الاستراتيجي هو ما خلق مركزيتها الإقليمية وأهميتها العالمية كلاعب تتقاطع عندها الكثير من المصالح والسياسات، والنظام السوري بلا شك يدرك ذلك ويستثمر ذلك، وهو بقدر ما أبرز من وحشية ودموية ضد شعبه الذي يثور ضده، بقدر ما هو نظام يدرك تماما أبعاد اللعبة الجيوسياسية، إنه نظام لا يجب أن نستهين بذكائه، وفي المقابل هو نظام يجب أيضا ألا يستهين بذكائنا.

الكتابة عن سورية وما يجري فيها اليوم ليس سهلا، إلا إذا كانت جزءا من كتابة تندرج تحت باب الرومانسية السياسية أو استدرار العواطف الجياشة تجاه ما يعانيه أشقاؤنا في سورية، وهو حق لمن يشاهد القتل اليومي والأفعال الدموية للنظام السوري بحق شعبه. عندما تدخل السياسة من الباب تهرب الأخلاق من النافذة، هذه قاعدة أساسية في السياسة، فكيف يمكن تشخيص ما يحدث في سورية بعيدا عن الأخلاق؟ وكيف يمكن القول إن هذه الثورة السورية لم تعد كما كانت مجرد ثورة شعب ضد نظام دون أن يكون هذا القول تجريحا في شعب قدم صورة رائعة من صور البسالة ودون أن يكون في هذا القول استهانة بدماء الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل وطنهم وكرامته وكرامتهم وحريتهم؟

اليوم تمثل العوامل الإقليمية اللاعب الأهم على الساحة السورية، سقوط نظام الأسد ليس مجرد سقوط لنظام مستبد أذاق شعبه صنوف العذاب وامتهان الكرامة، سقوط نظام الأسد له عدة انعكاسات في غاية الأهمية: خسارة إيران لحليف مهم، دخول تركيا للمنطقة أكثر من بوابة سورية، تغير في الحزام الكردي، نشوء قوة سنية في شمال لبنان موازنة لحزب الله، تغير في ديناميكية العلاقة السورية مع إسرائيل، خروج سمسار مهم للملف الفلسطيني، نشوء موازن إقليمي سني جديد للعراق، إضافة للأضرار بورقة مهمة لروسيا في المنطقة.

هذه العوامل تحدث عنها عدد من المحللين المتابعين للوضع في سورية، ومجموع هذه العوامل وتناقضاتها يظهر من جهة حجم اللعبة الجيوسياسية المرتبطة بسورية اليوم، وهي لعبة يصعب النظر لها من منطلق أخلاقي سواء لمن يقف مع الثورة السورية أو تلك القوى التي تقف مع النظام انطلاقا من اعتبارات رفض التدخل الخارجي، ما تقوله روسيا على سبيل المثال من أن الشأن السوري هو أمر يخص السوريين فقط هو تعمية لحقيقة أن ما يحدث في سورية بات بلا شك لعبة سياسية إقليمية من الطرفين.

إن التشخيص السليم للتعامل مع سورية يجب أن ينحي الجانب الأخلاقي لفكرة الثورة، وأن يتعامل مع الوضع هناك من منطلق واضح للمكسب والخسارة بين الأطراف، ونحن إذ نختار جانبا أو طرفا في هذا الصراع علينا أن نعي ما يترتب على الاختيار وأن نلتزم به. فكرة الحل السياسي سواء على غرار النموذج اليمني أو العراقي ضرب من ضروب التمويه والتعمية السياسية على حقيقة ما يقتضيه الشأن السوري من حساب واضح للمكسب والخسارة بين الأطراف الإقليمية التي باتت جزءا وطرفا فيما يحدث في سورية.

لا يمكن نزع المحاولات السياسية التي تجري اليوم من أجل سورية من سياقاتها الممتدة، إيران تفاوض الولايات المتحدة على أرض سورية، والولايات المتحدة تفاوض روسيا علي أرض سورية، وهكذا دواليك في لعبة جيوسياسية ممتدة أبعد نقطة فيها هي مصلحة سورية نفسها، بغض النظر عن كل المواقف الإعلامية التي تتستر تحت غطاء الشرعية الدولية وعدم التدخل الخارجي فيما يجري في سورية، لا روسيا ولا الصين ترفضان التدخل من أجل مصلحة سورية الذاتية، ولا الولايات المتحدة ولا أوروبا ستتدخلان لأجل مصلحة سورية الذاتية، وهذا ما يجعل الأسئلة التي تطرحها علينا سورية صعبة، وإجاباتها أصعب.

الحديث عن إنهاء العنف هو حديث عن محاولة إنهاء وضع بات لا يقبل سوى المكسب أو الخسارة، وبالتالي هل التدخل الخارجي على المدى الطويل سيزيد العنف أم يهدئه؟ وما هو المعيار الأخلاقي “المحايد” حقيقة الذي يمكن النظر منه لما يجري في سورية اليوم؟ إيقاف دعم الثوار يعني خسارتهم ورفع الدعم عن النظام يعني خسارته، بما يترتب على كلا الأمرين من انعكاسات.

أي محاولة لعقلنة ما يجري في سورية سواء على الأرض أو بالكتابة هي في النهاية انحياز لطرف دون الآخر، ومحاولة لاصطناع حياد في قضية لم تعد تقبل القسمة. قد يقال الكثير حول الخلاف بين المعارضة السورية وخاصة الداخلية والخارجية ومدى تمثيلها للشعب السوري، وكذلك قد يقال الكثير عن الشعارات المرفوعة عن حق الشعب السوري في الديموقراطية والحرية وربط هذه المفاهيم بالتدخل الخارجي أو مقارنة الوضع السوري بالوضع الليبي وقياس التدخل الخارجي عليه وآثاره رغم انتفاء وجه المقارنة هنا إلا من وجه دموية كلا النظامين.

لأن سورية هي التي ظلت على مدى عقود دولة عربية مركزية بحكم موقعها وشبكة المصالح والتوازنات الإقليمية التي خلقتها سواء بسبب وضعها الجيوسياسي أو بسبب مناورات نظامها الحاكم؛ فإنه لا مناص من تشخيص واقع ما يحدث فيها اليوم من كونه حربا إقليمية، وللحرب قواعدها ومقتضياتها، ولكن هذه المقتضيات لم تتحقق بعد كون الخطاب الذي لا يزال ساريا هو محاولة لاصطناع عقلانية محايدة تخرج بحل سياسي.

سورية اليوم أشبه بمن يقف على الأعراف، لا هي دخلت جنة الحل السياسي ولا نار الحرب التي تنتهي بوضوح في حساب المكسب والخسارة. كل ما يقدم لسورية اليوم ليس سوى إدارة للصراع وليس حلا له (conflict management not conflict resolution) وكل الجهود الدولية ليست سوى عملية احتواء للموقف، تتقدم خطوة وتتراجع خطوة.

نزع الخيار العسكري من على الطاولة يعني تحييد الوضع وإبقاءه على ما هو عليه، وهو أمر رغم ما يوحي به من عقلنة تريح من يسعى للقول بالحياد وعدم الانحياز لطرف إقليمي دون الآخر في هذا الصراع، إلا أنه أمر ينافي واقعية أن هذا وضع يجب أن يتمخض بخروج رابح وخاسر منه. واقع رغم لا أخلاقيته ربما يجب أن نتجرعه كالسم ونقبل به، وليست هذه محاولة للإجابة بقدر ما هي محاولة لطرح سؤال صعب.

الوطن السعودية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.