شاحنة الموتى السوريين

3٬998

بقلم: بكر صدقي

بعدما أعلنت الحكومة الإيسلندية عن استعدادها لقبول خمسين لاجئاً سورياً، أطلقت الكاتبة الإيسلندية برنديس بورغويندوتر حملةً على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، دعت فيها حكومة بلدها إلى قبول عدد أكبر من اللاجئين السوريين الهاربين من أهوال الحرب في بلدهم. حملة «سوريا تنادينا» استقطبت، خلال اليوم الأول لإطلاقها، أكثر من عشرة آلاف مؤيد، بينهم من أعلنوا عن استعدادهم لاستقبال اللاجئين في بيوتهم، ومتطوعين لتقديم دروس اللغة أو الملابس والأثاث المنزلي وألعاب الأطفال للاجئين السوريين. أما الكاتبة بورغويندوتر فقد وجهت رسالة مفتوحة إلى وزير الرفاه الاجتماعي إيغلو هاردر طالبت فيها بحق الإقامة وإذن العمل لخمسة لاجئين سوريين، على أن تدفع بنفسها ثمن تذاكر سفرهم، معلنة عن معرفتها بشخص مستعد لتأمين المأوى لهم. وختمت رسالتها بالقول: «سمعت عن استعداد إيسلندا لاستقبال خمسين لاجئاً سورياً. وهكذا يصبح المجموع خمسة وخمسين».
وفي العاصمة النمساوية فيينا خرج عشرات آلاف المتظاهرين تعبيراً عن تضامنهم مع اللاجئين السوريين وترحيبهم بهم. وخرجت مظاهرات مماثلة في مدينة درسدن الألمانية.
للعلم، لا يتجاوز عدد سكان إيسلندا ثلاثمئة ألف. من المحتمل أن العدد خمسين الذي حددته الحكومة للاجئين السوريين الذين يمكنها استقبالهم، ليس بالعدد الصغير إذا نسبناه إلى عدد السكان. وذلك بالمقارنة مثلاً مع فرنسا أو بريطانيا أو غيرهما من الدول الأوروبية الغنية بإمكاناتها الاقتصادية كما بقدرتها على استيعاب اللاجئين والمهاجرين.
كأننا أمام بداية تحول كبير في الرأي العام الأوروبي في مواجهة مشكلة اللاجئين عموماً، والسوريين منهم بصورة خاصة. تحول لا شك في أن حادثة الشاحنة المغلقة على جثث واحد وسبعين من السوريين التعساء لعبت دور المحفز المباشر في إطلاقه. هذه الحادثة التي وصفها بابا الفاتيكان بالعار على الإنسانية جمعاء.
لعله من المبكر الآن توقع انعكاسات هذا الموقف الإنساني على القرارات السياسية للدول، ليس في مواجهة مشكلة اللاجئين السوريين، بل في مواجهة المشكلة الأساس التي تسببت بتدفق هؤلاء اللاجئين خارج حدود بلدهم بحثاً عن الأمان. لكن من المحتمل أن الديناميات الاجتماعية التي تسببت شاحنة الموت السورية بإطلاقها، لن تقف عند حدود الموقف الإنساني ما دامت أخبار الكارثة السورية تأتي كل يوم. فقط أحد أبعاد هذه الكارثة هو المتعلق بعابري البحار أو الحدود البرية «بصورة غير شرعية» كما يوصفون، معرضين أنفسهم وأطفالهم لخطر الموت غرقاً في البحر المتوسط أو بحر إيجة. ولكن لا أحد يتساءل، بجدية، عما دفع هؤلاء إلى مغادرة بلدهم للبحث عن مكان آمن يؤويهم. بدلاً من ذلك يتم تصوير ما يجري في سوريا على أنه حرب أهلية بين مكونات تريد إبادة بعضها بعضاً. ولا يسع الرأي العام الغربي، والحال هذه، أن يفهم سبب العداء المتبادل بين «الهوتو» و«التوتسي» السوريين على رغم أن كلتا القبيلتين من العرق الأسود، أو في الحالة العيانية السورية «كلهم مسلمون»! هنا يأتي دور إيديولوجيا الاستشراق لرد العلة الأصلية إلى العقائد الدينية للمسلمين التي تشجع على العنف بلا مبرر.
تسهل هذه الترسيمة الإيديولوجية التي يروج لها الإعلام بكثافة، على حكومات تلك الدول تبرير مواقفها من المشكلة الأصلية المتمثلة في نظام دكتاتوري سلالي طائفي تمرد عليه شعبه للإطاحة به، فكان رده المعلن «الأسد أو نحرق البلد»! واستخدم كل الأسلحة التي تملكها «الدولة»، بصفتها كذلك، لقتل الشعب الذي تمرد عليه بصورة سلمية وترويعه وتهجيره. وإذ لم يردعه أي رادع أممي أو دولي، استمر في حرق البلد وتدميره سنوات أربع ونيف، بما أتاح مساحات واسعة من «التوحش» الذي ملأه التطرف الديني.
وكأن تلك الدول القادرة وجدت ضالتها المنشودة في هذا التطرف الموصوف بالإرهاب لتحويل الأنظار إليه ونسيان أصل المشكلة. حتى في حربها المعلنة على تنظيم الدولة الإسلامية، لا تفعل دول التحالف الذي تشكل لهذه الغاية ما يتجاوز بعض الضربات الجوية التي لا يمكنها تحقيق الكثير من الهدف المعلن. الخبراء العسكريون الأمريكيون وكذلك ساسة الإدارة يقولون صراحةً إن الحرب على داعش قد تستمر عقوداً.
كذلك فإن مشكلة الهاربين من الجحيم الأسدي، بحد ذاتها، ليست جديدة. وقد بلغ عددهم نحو نصف السكان (11 مليوناً) خمسة ملايين منهم فروا إلى دول الجوار التي لا تمنحهم الصفة القانونية للاجئ، وتعجز ميزانياتهم الحكومية عن تلبية متطلباتهم. ولكن يبدو أن الأمر كان يتطلب كارثة نوعية على شاكلة شاحنة الموت التي عثر عليها في النمسا، ليستيقظ ضمير العالم ولو متأخراً.
ولكن أليس أساس مشكلة السوريين مع النظام المجرم الذي حكمهم لنصف قرن هو أساس إنساني وأخلاقي قبل أن يكون سياسياً؟ أليست مواقف الدول والجماعات والأفراد الذين دعموا هذا النظام المجرم في حربه على سوريا والسوريين، هي مواقف لا أخلاقية أكثر من كونها تعبيراً عن خيارات سياسية؟
ربما هذا ما يدعو إلى التفاؤل: عودة المشكلة إلى أساسها وجذرها كمشكلة إنسانية وأخلاقية أولاً تقتضي وضع المجرم في المكان الذي يستحق، أي وراء القضبان، بدلاً من التعاطي معه كما لو كان دولة.
القدس العربي

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.