يوم هزم محمود درويش الموت بالموت

اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني مراتٍ عديدة بتهمة القيام بنشاطٍ معادٍ لدولة إسرائيل لآرائه السياسية وتصريحاته المعادية؛ فاعتقلوه خمس مرات أولها عام 1961 ثم 65 و66 و67 و69، كما فُرضت عليه الإقامة الجبرية حتى عام 1970.

بتول حسن

محمود درويش أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين، ارتبط اسمه بشعر الثورة والوطن. يعتبر أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث.

واليوم في ذكرى رحيله عن عالمنا، وهو الذي جعل الكثير منا يؤمن بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، سنقدم بعضاً من سيرة حياته، ومراحل تكونه، دون أن نتدخل في تقييم تراثه الشعري، الذي استحق، ويستحق وقفات طويلة للإبحار في عالمه.

 

المولد والنشأة

وُلِدَ محمود درويش في 13 آذار/ مارس عام 1941 ـ قبل الاحتلال بسبعة أعوام ـ في قرية البروة الفلسطينية التي تقع على جبل الجليل قرب ساحل عكا، لأسرةٍ كبيرة مكونة من خمسة أبناء وثلاث بنات، وكان درويش الابن الثّاني في عائلته.

والده “سليم درويش”، رجلٌ بسيط عمل بالفِلاحة فقط، وأمّه من آل البقاعي، من قرية “الدّامون”، كانت لا تعرف القراءة ولا الكتابة؛ إلّا أنّ والدها كان عُمدة قرية الدّامون.

فر مع أسرته ضمن عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذي هربوا، أو طُرِدوا من البلاد جراء القذف بالقنابل، عام 1947 إلى جنوب لبنان، لكنه عاد مع أسرته بعد ذلك بعامين إلى البلاد متسللًا عن طريق دليل فلسطيني يعرف الطرق السرية للجليل ليجد أن قريته قد دُمِرت تمامًا، فانتقل مع أسرته إلى قرية دير الأسد كلاجئين؛ عانى كما غيره من اللاجئين في الحصول على بطاقات إقامة حيث إنهم كانوا “غير شرعيين” وكانوا بالنسبة للقانون الإسرائيلي حاضرون بأجسادهم غائبون بهوياتهم.

انتقلت عائلته إلى قرية أخرى اسمها الجديدة وامتلكت فيها بيتًا، لكن محمود عاش في حيفا لمدة عشر سنوات وأنهى فيها دراسته الثانوية.

محمود درويش الشاب مصدر الصورة الميادين
تعليم محمود درويش وأولى خطواته في الشِّعر

كان محمود درويش أثناء مرحلته التّعليميّة المدرسيّة مُتفوّقاً في دراسته، وكانت بوادر اهتمامه بالأدب واضحة في تلك الفترة؛ حيث كان يُكثر من المُطالعة، ويحاول كتابة الشِّعر، وكانت أولى تجاربه في كتابة الشِّعر، من خلال سرده عواطف الطّفولة ومشاعرها، بالإضافة إلى محاولاته في الكتابة عن أمور أكبر من طاقته كطفل.

استمرّ محمود درويش في تعلميه حتّى أكمل الثّانويّة العامّة لكنّه لم يستطع إكمال مسيرته التّعليميّة الجامعيّة، فانتقل إلى العمل ككاتب في الصُّحف والمجلّات كمهنةٍ يحترفها.

كان لبعض مُعلّمي درويش دور بارز في تشجيعه على الكتابة، ولذلك بقي مديناً لهم بالعرفان والجميل حتّى آخر عمره، خاصّة أولئك الذي ساعدوه في بدايته الشِّعريّة، وكان قد ذكر منهم معلّمه “نمر مرقس” كأحد الذي قدّموا له العون في مرحلته تلك.

واستمرّ محمود درويش في تعلميه حتّى أكمل الثّانويّة العامّة لكنّه لم يستطع إكمال مسيرته التّعليميّة الجامعيّة، فانتقل إلى العمل ككاتب في الصُّحف والمجلّات كمهنةٍ يحترفها.

انضم للحزب الشيوعي الإسرائيلي وعمل في صحافته محررًا ومترجمًا في صحيفة الاتحاد ومجلة الجديد التابعتين للحزب نفسه، وترقى بعد ذلك لرئيس تحرير المجلة، كما اشترك في تحرير مجلّة الفجر الأدبيّة.

 

نشاطه السياسي

اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني مراتٍ عديدة بتهمة القيام بنشاطٍ معادٍ لدولة إسرائيل لآرائه السياسية وتصريحاته المعادية؛ فاعتقلوه خمس مرات أولها عام 1961 ثم 65 و66 و67 و69، كما فُرضت عليه الإقامة الجبرية حتى عام 1970.

كانت تلك الفترة شديدة الصعوبة على الفلسطينيين عامةً وعلى محمود خاصةً، ويحكي عنها واصفًا إياها: “كنت ممنوعًا من مغادرة حيفا مدة عشر سنوات. كانت إقامتي في حيفا إقامة جبرية ثم استرجعنا هويتنا، هوية حمراء في البداية ثم زرقاء لاحقًا وكانت أشبه ببطاقة إقامة. كان ممنوعًا عليّ طوال السنوات العشر أن أغادر مدينة حيفا. ومن العام 1967 لغاية العام 1970 كنت ممنوعًا من مغادرة منزلي، وكان من حق الشرطة أن تأتي ليلًا لتتحقق من وجودي. وكنت أعتقل في كل سنة وأدخل السجن من دون محاكمة. ثم اضطررت إلى الخروج”.

حاول بداية السفر إلى باريس عام 1968 لكن رفضت السلطات الفرنسية دخوله الأراضي الفرنسية لأن هويته غير محددة لجنسيته، فأعادته السلطات إلى الأراضي المحتلة.

في عام 1970م انتقل درويش مُسافراً إلى مُوسكو لإكمال تعلميه الجامعيّ، ثمّ انتقل عام 1971م إلى القاهرة، فمكث فيها سنوات قليلة، وبعد ذلك سافر إلى العديد من الدّول الأوربيّة والعربيّة.

 

محطات في حياة محمود درويش

توجه عام 1970 إلى موسكو، للدراسة وكانت هذه أول غربةٍ له بعيدًا عن الوطن. كان طالبًا في معهد العلوم الاجتماعية يسكن في غرفة في مبنى جامعي؛ أقام في موسكو سنة واحدة وتعلم القليل من الروسية كي يستطيع الاندماج في البيئة هناك لكن اصطدم بمشكلات الروس يوميًا حتى فقد ثقته بالشيوعية، وسقطت موسكو من نظره من مدينة “الفردوس” ليراها على حقيقتها مدينة عادية يعاني أهلها من الحرمان والفقر ويعيشون في خوف!

لم يتحمل محمود درويش الحياة في موسكو فقرر الذهاب إلى لقاهرة وهناك اتخذ قرارًا صعبًا بعدم العودة لفلسطين. أحب العيش في القاهرة رغم بعده عن الوطن فهي على الأقل مدينة عربية بأسماء شوارع عربية وأناسٍ يتحدثون بالعربية، كما وجد نفسه بين الأدب المصري الخالص.

وعن هذا يقول: “وجدت نفسي أسكن النصوص الأدبية التي كنت أقرؤها وأعجب بها. فأنا أحد أبناء الثقافة المصرية تقريبًا والأدب المصري. التقيت بهؤلاء الكتّاب الذين كنت من قرائهم وكنت أعدّهم من آبائي الروحيين، التقيت محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ وسواهما، والتقيت كبار الكتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم. ولم ألتق بأم كلثوم وطه حسين، وكنت أحب اللقاء بهما”.

انتقل بعد ذلك لبيروت لتصبح ورشة أفكاره ومختبر تياراته الأدبية والفكرية والسياسية، ولسوء الحظ اندلعت الحرب الأهلية في لبنان بعد فترةٍ من انتقاله فصار الدم والقصف والموت والكراهية والقتال في لبنان ومات بعض أصدقاؤه هناك مثل غسان كنفاني.

بعد أن هدأت أوزار الحرب بقي في لبنان ولم يخرج منها كما خرج آخرون حتى احتلت إسرائيل لبنان فقضى أيامًا صعبة جدًا لا يعرف فيها أين ينام حتى لا يقبض الإسرائيليون عليه، حتى حدثت المجزرة الكبرى – مجزرة صبرا وشاتيلا – فأيقن أن وقت الهرب مرةً أخرى قد حان.

غادر محمود درويش لبنان إلى دمشق في سوريا كمرحلة مؤقتة في الطريق إلى تونس، ومنها ذهب إلى باريس ليعيش فيها عشر سنوات لكن على فترات متقطعة وليست متصلة حيث كان يسافر باستمرار، وهناك كانت ولادته الشعرية الحقيقية على حد قوله لجمالها الذي أتاح له فرصة للتأمل والنظر إلى الوطن والعالم والأشياء من خلال مسافة.

بعد ذلك في التسعينيات أصبحت العودة لرام الله متاحةً، فقرر العودة إليها لأنه لن يكون مرتاحًا في منفاه بأي شكل فاختار العودة إلى عمان لأنها قريبة من فلسطين ولأنها مدينة هادئة وشعبها طيب.

 

الجوائز

حصل محمود درويش على عدد من الجوائز منها: (جائزة لوتس، عام 1969/ جائزة البحر المتوسط، عام 1980، درع الثورة الفلسطينية، عام 1981، لوحة أوروبا للشعر عام 1981، جائزة ابن سينا، عام 1982، جائزة لينين للسلام، عام 1983، جائزة الآداب من وزارة الثقافة الفرنسية،1997).

محمود درويش صحيفة الاتحاد
حياة محمود درويش الشخصية

تزوج من الكاتبة رنا قباني ولكنهما تطلقا؛ لاحقًا في منتصف الثمانينيات تزوج من حياة هيني وهي مترجمة مصرية، وأيضاً انتهت هذه التجربة بالطلاق. ولم يرزق بأي أطفال من كلا الزواجين

 

الدّواوين الشِّعريّة لمحمود درويش

عصافير بلا أجنحة، عكّا 1960/ أوراق الزيتون، حيفا 1964/ عاشق من فلسطين، حيفا 1966/ آخر الّليل، عكّا 1967/ يوميّات جرح فلسطينيّ، بيروت 1969/ العصافير تموت في الجليل، بيروت 1970/ كتابة على ضوء بندقيّة، بيروت 1970/ حبيبتي تنهض من نومها، بيروت 1970/ مطر ناعم في خريف بعيد، عكّا 1970/ أحبُّك ولا أحبُّك، بيروت 1972/ محاولة رقم 7، بيروت 1973/ تلك صورتها وهذا انتحار العاشق، بيروت 1975/ أعراس، بيروت 1977/ مديح الظّلّ العالي، بيروت 1983/ حِصار لمدائح البحر، بيروت 1984/ هي أغنية هي أغنية، بيروت 1986/ ورد أقلّ، بيروت 1986/ أرى ما أريد، بيروت 1990/ أحد عشر كوكباً، بيروت 1992/ لماذا تركت الحصان وحيداً، بيروت 1995/ سرير الغريبة، بيروت 1999/ جدارية، بيروت 2000/ حالة حِصار، بيروت 2002/ لا تعتذر عمّا فعلت، بيروت 2004/ كزهر الّلوز أو أبعد، بيروت 2005/ أثر الفراشة، بيروت 2008/ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، وهو الدّيوان الذي صدر بعد وفاته، بيروت 2009/

من مؤلفات محمود درويش
آثار محمود درويش النّثريّة

لمحمود درويش مجموعة من الكتب النثرية، نذكر منها: شيء عن الوطن، 1971/ يوميّات الحزن العاديّ، 1973/ وداعاً أيّتها الحرب، وداعاً أيّها السّلام، 1974/ ذاكرة للنسيان، 1987/ في وصف حالتنا، 1987/ في انتظار البرابرة، 1987/ الوسائل، 1989/ عابرون في كلام عابر، 1991/ في حضرة الغياب، 2006/ حيرة، 2007/

 

وفاة محمود درويش

توفي درويش، يوم السّبت في التّاسع من شهر آب لعام 2008م، بعد عملية القلب المفتوح التي أجريِت له في مركز تِكساس الطّبيّ في مدينة هيوستن، حيث دخل بعد إجراء العمليّة في غيبوبة طويلة، وكان قد أوصى أن تتمّ إزالة أجهزة الإنعاش عنه في حالة دخوله في غيبوبة تُفضي إلى موته، فكان له ذلك، وتمّ القيام بذلك من قِبل الأطبّاء في مُستشفى ميوريال هيرمان الإنجليزيّة.

ودُفن في رام الله، في قصرها الثّقافيّ في الثّالث عشر من شهر آب، سُمّي القصر باسمه لاحقاً تخليداً لذكراه، فأصبح “قصر محمود درويش للثّقافة”، وشهِدت جنازته آلافاً من أبناء الشّعب الفلسطينيّ، بالإضافة إلى أهله والعديد من الشّخصيّات.

تمّ إعلان الحِداد عليه ثلاثة أيّام في جميع الأراضي الفلسطينيّة بناءً على قرار رئيس السُّلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس، وكان قد أشار حينها إلى أنّ محمود درويش هو “شاعر فلسطين”.

شاهدة قبر محمود درويش المصدر فيسبوك
مصدر (هاني الخير، محمود درويش: رحلة عمر في دروب الشعر) (حيدر توفيق بيضون، محمود درويش شاعر الأرض المحتلة) (عبدالله العتيبي، بدايات محمود درويش)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.