يوم الأحد وقصائد أخرى

لنمنح العالم بأسره للأطفال/ فإن لم يكن/ فيوماً واحداً نَهَبُهُ لهم كبالونةٍ زاهيةٍ/ ليمرحوا بها/ بينما يغنون أغانيهم الشعبية بين أسراب النجوم
لنمنح العالم للأطفال/ كتفاحةٍ عظيمة/ أو كخبزةٍ ساخنة/ فإن لم يكن/ فيوماً واحداً يشعرون فيه بالشبع

ناظم حكمت
ترجمة: عمير الأحمر

يوم الأحد

ها هو يوم الأحد
اليوم ولأول مرةٍ يخرجونني إلى الشمس
وأنا ولأول مرةٍ في عمري
تبدو لي السماء بعيدة عني كل هذا البعد
وبهذه الزرقة الرهيبة
وقفت في مكاني بلا حراكٍ منتصباً مدهوشاً من شدة اتّساعها
ثم جلست بإجلالٍ على التربة
وأسندت ظهري للجدار
وها أنا ذا الآن لا أود أن أغرق مفكراً بأي نزاعات
ولا بالحرية ولا حتى بزوجتي
وها هي رائحة التربة، والشمس، وأنا
أنا … آهٍ كم أنا محظوظ

يقظة

ها قد صحوتَ
وجدران البيت تحيطك
وكأنك لم تعتد بعد
أن تصحو في بيتك
إنها واحدةٌ من آثار السجن
لثلاث عشرة سنة.
ومن ذي الراقدة بقربك؟
ليست أطياف الوحدة
إنما هي زوجتك
تغفو كملاك
يليق بها بطن الحبالى.
كم الساعة؟
ثمانية؟
يعني ذلك أنكما في مأمن
حتى الليل
فمداهمة البيت صباحاً
ليست من أعراف الشرطة.

كلانا

كلانا يا حبيبتي يدري
أنهم قد عوّدونا على الرضوخِ
للجوعِ والبردِ والتعب القاتل.
وأن نُقاطِع بعضنا البعض.
لكننا لم نرضخ للموت بعد
ولم نقتنع بالقتل.
وكلانا يا حبيبتي يدري
أنه بإمكاننا أن نعوّدهم
على أن نكافح من أجل شعبنا
وأن نعيش الحب دوماً بصفاءٍ وإخلاص

ولادة

وهبت لي زوجتي طفلاً
بحاجبين أملسين أشقرين
يرقد في دثارٍ أزرقٍ
كفانوسٍ صغيرٍ مضيء
يومَ وُلِدَ طفلي
وُلِدَ أطفالٌ في كوريا
وجوههم كزهرة دوار الشمس.
انقضَّ عليهم ماك آرثر*
فقتلهم قبل أن يشبعوا من حليب أمهاتهم.
يومّ وُلِدَ طفلي
وُلِدَ أطفالٌ في سجون اليونان
أُعدِمَ آباؤهم رمياً بالرصاص
فكان أول ما رأوه على هذه الأرض
قضبان السجن الحديدية.
يومّ وُلِدَ طفلي
وُلِدَ أطفالٌ في الأناضول،
كانوا أطفالاً بعيونٍ زرقاء وسوداء وعسلية
لكن القمل داهمهم فور ولادتهم
فلا يُعرفُ كم منهم
شاءت له المعجزة أن يبقى حياً.
يومّ يصبح طفلي بمثل عمري
لن أكون حياً على هذه الأرض،
لكن الأرض ستكون مهداً مريحاً
للأطفال السود
والبيض
والشقر
ستكون مهداً أزرقاً حانياً
تهدهد كل أطفال العالم.

الطفلة

أنا من يطرق الأبواب
واحداً تلو آخر،
لكنني لا أتراءى أمام أعينكم؛
فالموتى لا يُرَون،
أولئك الذين قضوا في هيروشيما،
يحدث ذلك مرةً كل عشر سنوات.
أنا طفلةٌ في السابعة من عمرها؛
فالموتى لا يكبرون.
أولاً طالت النار خصلات شعري
وزحفت لعينيَّ حتى قّلّتها
حتى بتُّ حفنةً من رماد
تناثرت مع الرياح.
لا أريد منكم شيءاً
ولا حتى قطعة حلوى؛
فلا يستطيع الطفل
المتوقد كالجمرة أكلها.
ها أنا ذا أطرق أبوابكم،
أيها العم وأيتها الخالة
هلَّا عارضتم قتل الأطفال؛
ليتذوقوا قطعةً من الحلوى.

للأطفال

لنمنح العالم بأسره للأطفال
فإن لم يكن
فيوماً واحداً نَهَبُهُ لهم
كبالونةٍ زاهيةٍ ليمرحوا بها
بينما يغنون أغانيهم الشعبية
بين أسراب النجوم
لنمنح العالم للأطفال
كتفاحةٍ عظيمة
أو كخبزةٍ ساخنة
فإن لم يكن
فيوماً واحداً يشعرون فيه بالشبع
لنمنح العالم للأطفال
حتى وإن كان يوماً واحداً
لكي يتعلموا فيه كيف يصاحبون العالم
فسيأخذ الأطفالُ العالم من بين أيدينا
ليغرسوه شجرةً أبديةً خالدة

صيفُ موسكو

خلعتُ فكرة الموت من عنقي
وارتديتُ أوراق أشجار حزيران الشامخة على طول الطريق
فأوراق أيّار تبدو أكثر نضرةً مني.
انتظرني يا صيف موسكو مع حصواتك وإسفلتك الملتهب
انتظرني مع مثلجاتك ومشروباتك الغازية
وقاعات السينما الطافحة برائحة العرق وممثلوها المحليون
انتظرني وسيارات الأجرة المرتقِبَة لأيام مباريات كرة القدم العظيمة
انتظرني مع أشجار متحف هيرميتاج التي ظننّا أوراقها مصابيحَ كهربائية
انتظرني مع قصائدي التي سألقيها من على الشرفات
انتظرني بشعركَ الذهبي المقصوص قصيراً كالقشّ بعد الحصاد
فأنا قد خلعتُ فكرة الموت من عنقي
وارتديتُ أوراق أشجار حزيران الشامخة على طول الطريق.

غلاف الكتاب(فيسبوك)
مصدر كتاب قصائد ما بعد السجن، ترجمة: عمير الأحمر
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.