يوم أسود دار الموت فيه شتى أرجاء الغوطة

محطات من التغريبة الشامية ٢٨

مع كل غارة تنزل على بلدتنا أضم ابنتي بشدة معتقدة أن الصاروخ سيسقط على بناءنا، فقدت كل إحساس بالزمان والمكان أريد الخلاص فقط أو الموت دون أن أرى مكروها يصيب هذه الطفلة.

الأيام السورية؛ نور الشامي

زائر الليل الحبيب

لم تمض أيامي على هون في ظل غياب زوجي وانقطاع أخباره، إلى أن دُقَّ الباب ذلت ليلةٍ بهدوء شديد بالكاد سمعته لأنني مستيقظة، ففي شهر آب ـ شهر المجازر والسارين ـ تنتابني فوبيا وأرق شديد لا أستطيع بسببها النوم ليلا، ترددت في السؤال من الطارق؟ تكررت الطرقات مجددا وبصوت خافت ناداني “نور أنا موفق شفت ضو يعني فايقة” لم أصدق ما أسمع، فتحت بسرعة وأخذته بالأحضان، سلم عليَّ ثم دخل باتجاه ابنته فهو بشوق لا يوصف لها، أخبرني أنه هرب ليطمئن علينا بعد كثافة القصف وشدته، فالأفكار السوداء تكاد تأكل رأسه، ويجب أن يعود إلى المعسكر فورا فالمسافة بعيدة ولا يوجد وسيلة للتنقل، كان منظره يوحي لشدة ما يلاقيه من تدريب صعب وتعب، كان شديد النحول طليق الذقن، أخبرني أنه وأصدقاؤه يخرجون كل ليلة باتجاه الحقول المحيطة بمعسكر التدريب، هاربين من أصوات أمعائهم الخاوية باحثين عن الخضار من الخيار والبندورة والبطيخ، يأكلون ويعودون تحت أستار الليل إلى معسكرهم.

استيقظت أمي وتلاها والدي وتحدثنا لفترة صغيرة جدا، وغادر بعدها آخذاً معه جزءا من قلبي وحفنة من راحة بالي المنشغل به دائما.

تجنيد الأطفال تحت مسميات مختلفة

يتردد برأسي كلماته ووصفه لحال التدريب، فأتساءل بنفسي، كيف أخذت ثورتنا هذا المنحى؟ وليس مطلوب من هؤلاء الشباب برأيي كل هذا الجهد المضني للانضمام لفصيل ما، فالجميع هنا رجالا و نساءا على دراية جيدة باستخدام الأسلحة، والجبهات مفتوحة بحاجة للمرابطين، فمن ذا القائم على هذه التدريبات التي شملت حتى الأطفال تحت سن الثمانية عشر، حيث كان بالقرب من معسكر التدريب الخاص بالشباب يوجد معسكر اسمه “الأشبال” يتم فيه تدريب الأطفال على مختلف أنواع الأسلحة، واللياقة البدنية والفنون القتالية إلى جانب محاضرات الدروس الدينية التي تحث على الجهاد والقتال، لم استلطف هذه الفكرة، فيخطر ببالي أنهم بمجرد حملهم للأسلحة، فهم يقتلون فيهم البراءة و الطفولة فيهم، وكيف يستقطبون هذه الفئة المليئة بالحماس والحيوية والنشاط والفوضى العقلية ويرتبونهم حسب مصالحهم، رغم أنهم لا يخرجوهم إلى خطوط الجبهات الأولى بسبب صغر سنهم إلا أنني استهجنت الفكرة بأكملها، أخبرني أيضا سينتهي المعسكر للرجال والأشبال باستعراض عسكري سيكشف فيه قائد الفصيل عن جاهزية شبابه وأشباله للحرب، وعن مختلف أنواع الأسلحة التي يملكها.

قصف مرعب

لم تمنع حرارة الشمس ولهيبها الحارق الطائرة من تنفيذ طلعاتها اليومية، ففي صباح الثاني عشر من آب ٢٠١٥ وعند تمام الساعة العاشرة، بينما لا تزال الأجواء هادئة والناس في ذهاب وإياب لأعمالهم، نظرت قليلا من شرفة المنزل، قررت الذهاب إلى بيتي لإحضار بعض الحاجيات منه، أخذت ابنتي وانطلقت، وما أن وصلت إلى المنزل حتى هدر صوت الطائرة مسرعة مخترقا جدار الصوت، مفزعا كل أهالي الغوطة، هربت إلى الحمام الذي أصبح مؤخرا ملجأي في أوقات القصف كونه المنطقة الأكثر أمنا في المنزل، رغم صوتها القوي إلا أن أصوات انفجار الصواريخ كان بعيدا نوعا ما يدل على أنها استهدفت البلدات المجاورة.

وبينما تغادر الطائرة بعد إنهاء حمولتها تنقض واحدة أخرى بلا فاصل زمني وتنفذ غارتها أيضا وأظنه في نفس المكان، فقد أصبحنا على دراية جيدة باتجاهات وأنواع القصف، أشعر أن بيتي ينحصر قليلا ثم يعود لوضعه الطبيعي ذلك بسبب الضغط الهائل الناتج عن الغارات الجوية والذي يدل على شدة دمار وقوة تلك الصواريخ، وأخذت تلك الطائرات تعود وتغادر بالتناوب، وبعد الغارة الرابعة غاب صوتها تماما، تركت طفلتي التي استسلمت للنوم في كرسيها الصغير داخل الحمام وأسرعت إلى الشرفة باحثة عن مكان جيد لشبكة الاتصالات، حتى يتسنى لي وصول الأخبار وبالفعل أعلن المرصد عن أربع غارات استهدفت بلدة “دوما” في سوقها الشعبي تحديدا المعروف بازدحامه كثيرا، وبينما أتابع القراءة حتى عادت آلة القتل والدمار، أغلقت أذاني وركضت باتجاه ابنتي أحملها حتى لا تشعر بالخوف أو لعلي استمد منها القوة، هاتان الغارتان أقرب فكانت الوجهة بلدة “حمورية” حسبما سمعت من جارنا الذي ظل واقفا يستطلع مكان القصف، لم أحظ بالوقت للخروج حتى اهتزت البلدة بأكملها، وتتوالى الغارات وأصوات سيارة الإسعاف ليس بالبعيد جدا، لكنني عجزت عن تمييزه، مضت ساعتان والطائرة لا تهدأ، يُخيل إليَّ أن الشوارع فارغة تماما خاصة بعد نداءات المساجد بالنزول إلى الأقبية، لكنني قررت الصمود في منزلي خوفا على أبي أن يأتي ليأخذني ولا يجدني.

براميل الموت في الغوطة الشرقية(قناة الغد)

التوتر والخوف

أشعر بتعب شديد وتشنج في معدتي وهذه حالة كانت تصيب غالبية سكان الغوطة من فرط التوتر والخوف، اعتقدت أن الطائرة لن تعود وأنها اكتفت بما سببته من أنهار الدماء المسفوحة لكنني كنت على خطأ، فسرعان ما عادت والصوت يدل على وجود أكثر من طائرة، هذه المرة مختلف تماما، مع كل غارة تنزل على بلدتنا أضم ابنتي بشدة معتقدة أن الصاروخ سيسقط على بناءنا، فقدت كل إحساس بالزمان والمكان أريد الخلاص فقط أو الموت دون أن أرى مكروها يصيب هذه الطفلة.

مجازر وشهداء

هدأت الأجواء تماما من كل الصوت عدا سيارات الإسعاف بأبطالها الشجعان الذين يعلمون أنهم بكل خطوة يقتربون للموت أكثر لكنهم مصرين على القيام بمهامهم لو كان الثمن روحهم، خرجت لأتفقد المنزل ومثل كل مرة تمزق النايلون الموضوع على الشبابيك والأبواب، خرجت إطارات الشبابيك الألمينيوم من مكانها وكل ذلك بسيط أمام المجازر التي حصلت فقد ودعت “دوما” ثمانية وعشرين شهيدا، بينما كان نصيب بلدة “سقبا” من الشهداء بعدما استهدفت الصواريخ “ساحة الجمعية وسوق سقبا الرئيسي” ثمانية شهداء، اثنان منهما لم يتم التعرف عليهم كانوا مجرد أشلاء مقطعة، وأربعين مصابا حالات بعضهم حرجة.

طرقات على الباب قطعت بحثي عن بقية الأخبار وصوت والدي يتحدث مع الجيران عن غارتي “حمورية” اللتين أدتا لاستشهاد ٤ مدنيين، فتحت الباب وأنا على استعداد للمغادرة مع أبي وطفلتي فورا إلا أن الخوف يمتلكني ماذا لو عاد القصف مجددا ونحن على الطريق؟ حمل أبي الطفلة وطلب مني السير على عجل، وعلى الطريق أشار لي إلى مكان الغارات الأربعة التي حصلت وكان نتاجها خمسة شهداء والكثير من الجرحى، أكوام الردم والأثاث المبعثر والدمار يبعث في النفوس الأسى وطلب الموت لعله يكون سبيلا للنجاة من لجة النار التي نعيش بها فلا نجد منها إلا الألم والموت.

وصلنا للمنزل وصعدت فورا إلى السطح لأن شبكة الاتصالات أقوى، كانت الصور التي وثقت هذه المجازر مخيفة جدا فكيف بالذي عايش هذه اللحظة، كان يوما أسود دار الموت فيه شتى أرجاء الغوطة، وكما عاث القصف في أرضها الخراب كذلك عاث في قلوبنا فقدا وقهرا أدماها وأثقلها وفقدنا بسببه كل أمل أو رغبة بالحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.