يوميات سيدة إدلبية في المشفى

الأيام السورية؛ علياء الأمل

أم حسام سيدة في العقد الخمسين من عمرها، تعيش في قرية تل واسط بسهل الغاب، والتي نزحت منها إلى إدلب بسبب الهجمة الأخيرة التي يتعرض لها المدنيون في ريفي حماة وإدلب.

متزوجة ولها خمسة أولاد؛ شابان وثلاث بنات، متعلمة وتعمل في مجال التعليم، بعد استشهاد ابنها البكر والوسيم حسب وصفها، والذي مضى على استشهاده ثلاثة أعوام مما جعلها تصاب بحالة نفسية لا تخلو من الكآبة والانعزال عن الآخرين، افترشت الأحزان جوفها لتصاب بعد فترة بآلام حادة لم تشعر بها من قبل.

الوقت بعد منتصف الليل في مدينة إدلب حيث الهدوء المخيف الذي يتخلله بين الحين والآخر صافرات الإنذار التي تنذر بشؤم الطائرات؟ هلع في النفوس ومغص شديد ألم بها بعد تناولها لوجبة دسمة من “اللحمة بالصحن” التي تقوم بطهيها مرة كل شهر؛ لأن الميزانية الشهرية ضعيفة والمورد الداخل يقع بالكسر مع المصروف الصادر إذا فردت يدها أكثر بقليل حسب قولها.

تتابع أم حسام؛ زوجي مريض القلب يبلغ من العمر الستين عاماً، آلمه كثيرا ما أعاني من مغص حاد ولكنه آل على نفسه إسعافي رغم سماعنا لحوم الطائرات، وخاصة عندما شاهد دموعي وعدم قدرتي على التحمل، وبالفعل؛ وصلت المشفى لنجد الطبيب العام المناوب الذي أسرع إلى تصوير مكان الألم بالإيكو، وسألني هل يمتد الألم إلى كتفي وظهري، ليتبين بعد الكشف أنني أعاني من كريزة مرارة محصاة.

سارع الطبيب بإعطائي المسكن، وأحالني إلى قسم الداخلية حيث أجروا لي التحاليل والصور المطلوبة، ولأن الحالة صعبة نوعا ما، فقد تم تحديد اليوم التالي لإجراء العملية.

يقول زوجها أبو حسام؛ “إن أطباءنا سفراء الإنسانية في إدلب والذين آثروا البقاء في مدينتهم لتقديم العون للمرضى، رغم القصف والعمليات العسكرية المستمرة منذ ما يقارب الشهرين، يستحقون منا التقدير، يسارعون لمساعدة المرضى كل حسب دوره دون رقيب، وكأنهم يعالجون أهلهم وأسرهم، دهشت بالنبل والإخلاص ونزاهة الأطباء.

يتابع؛ وأشد ما آثار دهشتي حركتهم بين غرف المرضى، وإسراعهم في مساعدة جرحى القصف وقيامهم بالعمليات المستعجلة دون تذمر أو تلكؤ، حتى رغم الضغط الكثير على المشفى فقد حددوا لزوجتي موعد إجراء العملية في اليوم التالي.

وبالفعل؛ ذهبنا في اليوم التالي إلى المشفى، ولكن ولسوء الطالع فقد شهدت قرى مدينة إدلب يومها قصفا جنونيا وخاصة على قرى كفرنبل، وبزمارين، وخان شيخون، والهبيط، وكنصفرة، وكفر سجنة، كما ازدادت حالات الإسعاف التي تحتاج لعمليات مستعجلة، ودبت في المشفى حركة متزايدة وازدحام يفوق الوصف، كل ذلك ونحن ننتظر موعد العملية، وعند رؤيتنا لحالات الإسعاف الكثيرة علمنا أنه سيتم تأجيل موعدنا.

يضيف أبو حسام؛ بعد حجز السرير والغرفة لزوجتي، وقبل دخولها العملية بقليل يصدر مدير المشفى قراراً بإيقاف جميع العمليات الباردة لبعد أسبوع ريثما يتم علاج الحالات الساخنة.

تفاجأنا بتأجيل موعد العملية، ولكننا تقبلنا ذلك بصدر رحب، فما أصعب رؤيتك لمريض يستغيث وفق إمكانات بسيطة، نقص في الدواء والأسرّة، وقلة في الكادر الطبي، وضعف في الدعم، وازدحام المرضى وكثرة الحالات…موت بطيء بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تتم الحديث السيدة أم حسام؛ وبالفعل؛ بعد أسبوع ذهبت إلى المشفى وتمت العملية بنجاح، دون أن تكلفنا الكثير، فكل التحاليل تمت في المشفى ماعدا القليل منها التي أجريتها بمخبر خاص.

تضيف؛ المشافي في إدلب خير عون للناس البسطاء والفقراء، عناية ممتازة وأخلاق عالية يتمتع بها طبيبو المحرر، فكانوا ملائكة الرحمة بحق في ظل غياب الرحمة من قلوب صناع القرار حسب قولها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.