“ينامون على الحافة”.. تطويع العلوم في خدمة القصيدة

على عكس أغلب كتّاب قصيدة النثر ورواد الحداثة وما بعدها، فإن في قصيدة عبادة عثمان ملامح وتلميحاً إلى أهمية الكتابة في حياة الشاعر والمجتمع على حد سواء، فليست الكتابة عملاً بلا جدوى، أو عملاً هامشياً تُنسى فيه القصيدة بعد كتابتها.

حسين الضاهر

بمخزون من الاختزال والتوهج والجمل المحكمة، يبدأ “عبادة عثمان*” مجموعته “ينامون على الحافة”، المؤلفة من اثنين وثلاثين نصاً وتنتمي بأكملها إلى قصيدة النثر، ثم يصعد فيها صعوداً مشهدياً إلى مساحة خالية من القضايا الكبرى، مساحة يومية يحاول فيها ملامسة هموم أقرانه في الهوامش، فيلتقط ما هو عادي ليصوغ منه بمهارة الخيميائي صورة شعرية فريدة، بعيداً عن الإفراط والمجانية في استخدام اللغة.

شيء يشبه أن تكتب رسالة وتضعها في صندوق بريدك
ثم تستقبلها متفاجئاً
تقرؤها وتبكي كذئب حزين.

***

يتكئ العثمان على منجز قصيدة النثر في بناء السبك، ويتميز في وضع التفاصيل في مواضعها بدقة مقصودة لخلق بناء محكم، وقدرته على تجاوز المألوف في التعبير عن مكنوناته معتمداً بذلك على مفردات علمية تقنية مطوعاً العلوم والفيزياء، الكيمياء والهندسة، في خدمة القصيدة دون أن يرمي الارتباك في حضن المتلقي، وبذات الروح ينطلق ليعاين المكان والزمان بعيني الشاعر والرائي، لذلك نرى تعدد الثيمات في قصائده بالإضافة إلى تقسيمها بشكل مقطعي بعيداً عن الملحمية المستهلكة غالباً.

“أنا الولد الأعمى – أنا كائن افتراضي حزين – وأنا لم أزل غصناً أحاول الوقوف من جديد – أقف على قدم واحدة وأحبك – أنا صغير جداً في هذا الكون”

في هذه المقطوعة وغيرها محاولات للخروج مما هو واضح وملموس، في بوح مباشر يعبّد ممراً آمناً إلى ذات الشاعر؛ يصوّر ما يختلج داخله من حزن وحيرة وحب، من خلال نصوص مفعمة بالشاعرية العالية التي تصل إلى روح القارئ على شكل خطاب مباشر سهل وممتنع أحياناً، ونصوص أخرى توقع القارئ كما هو حال الكاتب في بحر من الافتراضات والتأويلات التي تنضح صوراً ونعوتاً وفصولاً من تساؤلات لا نهائية:
كيف تغيرت الأسماء بهذه العجالة في تاريخ الأرض؟ ما حاجتهم لحرقي بعد أن يقتلوني؟ وكيف ننجو إذن؟

تتعدد الأصوات في قصيدة العثمان فنلاحظ حضور “الأنا والغائب” مما يخلق حضوراً لافتاً لثنائية الحضور والغياب على شكل انفعالات تعبيرية أو ما يشبه المونولوج الداخلي أحياناً. كما يلاحظ حضور الآخر غير المخاطب من خلال نقل همومه ومعاناته أو معنى الآخر وما يريده الشاعر من وجوده، في جملة شعرية هنا أو نص هناك: نص (الآخرون).

سائق الباص
أوصل الجميع إلى البيت
ركن الباص في الكراج
واستقل باصاً آخر نحو بيته
عانق الأولاد كأنهم عجلة القيادة.

وعلى عكس أغلب كتّاب قصيدة النثر ورواد الحداثة وما بعدها، فإن في قصيدة عبادة عثمان ملامح وتلميحاً إلى أهمية الكتابة في حياة الشاعر والمجتمع على حد سواء، فليست الكتابة عملاً بلا جدوى، أو عملاً هامشياً تُنسى فيه القصيدة بعد كتابتها أو قرائتها دون أن تترك أثراً ولو بسيطاً في حياة كاتبها ووعي المتلقي.

جاءت المجموعة في (115) صفحة من القطع المتوسط، صدرت عن “دار موزاييك للدراسات والنشر” في تركيا عام 2020، وهي العمل المطبوع الأول للشاعر عبادة عثمان، لكن النصوص ليست نصوص البدايات أو نصوص الشاعر الأولى؛ إذ لدى العثمان أربع مجموعات غير منشورة (ثلاث منها بالعربية وواحدة بالتركية).

وتضم هذه المجموعة بين دفتيها، فقط النصوص التي كتبها بين عامي 2014 و 2019، وتتميز بإخراج فني داخلي لافت للنصوص وطريقة عرض لا بد من الإشارة إليها، كما لا بد من الإضاءة إلى لوحة الغلاف المميزة التي تحمل توقيع الفنانة الفلسطينية زينب سمارة.

من أجواء المجموعة
أخرج إلى الحديقة الخلفية لدارنا كل ليلة
يقول أبي:
لا حديقة خلفية لدارنا يا بني!
…. لكنني أخرج
أخلع عن الوردة معطفها الأحمر منتصف الشتاء
يقول كتاب العلوم:
لا ورد أحمر يخرج في هذا الصقيع يا بني!
يقول جارنا قبل أن أكتب أي نص:
لا ورد أحمر في حديقة داركم الخلفية يا بني!
….. لكنني أخلع عن الوردة معطفها الأحمر!


حسين الضاهر، شاعر وكاتب سوري.


عبادة عثمان

 

*عبادة عثمان: شاعر سوري من مواليد 1989 يعمل في الترجمة ويكتب باللغتين العربية والتركية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.