يسار في خدمة الإمبريالية: التنكر للثورة السورية

حسن ابو هنية :_

برهنت معظم القوى اليسارية عقب ثورات الربيع العربي على كونها ظاهرة أيديولوجية “سلفية” وضعية، تتفوق على نظيرتها السلفية الدينية في تصلبها وانغلاقها على منظومات مانوية وفق مبدأ الهوية وركن الثالث المرفوع، فالطاقة اليوتوبية الفائقة لليسار الثوري في النظر إلى الأحداث التاريخية تؤذن دوما بالتلبس بحالة من الذهان الفوضى والشواش والاستيهام، وتسفر عن مزيد من الانشقاق والانقسام والاستقطاب، وتنذر بمزيج من الوساوس والعصاب.

وقد ظهرت أعراض المرض بالإمبريالية على القوى اليسارية مع دخول العالم العربي حقبة الانتفاضات الثورية نهاية عام 2010، وبرزت جليا مع انتقال سيرورة الانتفاضات الثورية إلى سوريا في منتصف آذار/ مارس 2011، الأمر الذي فرض على كافة المنظمات السياسية التي تدّعي الانتماء إلى النسخ “الماركسية” أو “الاشتراكية” وفي حدها الأدنى “اليسارية” تحديا ذهنيا وأخلاقيا وسياسيا للدخول في أفق التكيّف والصحة النفسية والدخول في حد العقلانية وحدود الإنسانية.

لا جدال بأن ثورات الربيع العربي كانت تهدف إلى تمكين الديمقراطية والحرية والعدالة، وتسعى إلى بناء دول ومجتمعات متمردة على السياسات الإمبريالية والدكتاتورية والدخول في أفق الاستقلال والكرامة والتحرر والنهضة، ولا شك بأن قوى الثورة المضادة التي تقودها الإمبريالية وربيبتها الدكتاتورية باتت أشد توحشا وأكثر دموية، حيث أصبحت صناعة “الإرهاب” مدخلا لإعادة بناء التاريخ الإمبريالي والدكتاتوري التسلطي القمعي.

لم تشارك القوى اليسارية بشكل صريح في المشهد الافتتاحي للانتفاضات الثورية العربية وفوجئت بخروج الحشود الهائلة الراغبة بالتخلص من الدكتاتوريات القمعية، الأمر الذي فرض على قوى اليسار تحديا يرتكز على منطق الهوية ومبدأ عدم التناقض، وأصبحت خياراتها محصورة إما بالوقوف إلى جانب الشعوب المقموعة أو دعم الديكتاتوريات العميلة للإمبريالية، وإذا كانت خياراتها في الحالة التونسية والمصرية أكثر سلاسة، فإن المعضلة كانت معقدة في الحالة الليبية والسورية، وهما البلدان اللذان تم فيهما قمع شديد مضاعف للحشود الشعبية من قبل نظامي القذافي والأسد، واللجوء إلى عسكرة الثورات وتسليح الجماهير وحرف طبائع الحراكات من الصراع الطبقي إلى الحرب الأهلية.

اتخذت القوى اليسارية وفي مقدمتها المنظمات الكاستروتشافيزية، ضمن الإطار “البوليفاري”، وطائفة “الستالينيين” بكافة أطيافها، موقفا حاسما بإسناد ودعم خيارات “العسكرة” والحل المسلح الذي اتبعه ديكتاتوريا ليبيا وسوريا، ضد خيارات الشعوب التي اضطرت لحمل السلاح للدفاع عن نفسها، وقد استخدمت القوى اليسارية حججا خطابية بلاغية في شرح متنها السياسي للحدث الليبي ثم السوري يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية وهي: عدم وجود ثورة شعبية منذ بداية الانتفاضات، وأن حقيقة ما يحدث عملية غزو لإسقاط “القائد المظفر بشار الأسد المعادي للإمبريالية”، فالإمبريالية تستخدم عصابات من المرتزقة أو “الإرهابيين” المدفوعين والممولين بشكل مباشر من قبل وكالة المخابرات الأمريكية وممالك البترودولار الخليجية، وبناء عليه يجب على اليسار الالتفاف حول الأسد “لمواجهة الإمبريالية”.

على الرغم من عسر هضم الرواية اليسارية الخاصة بالإمبريالية، إلا أن حججها المتهافتة يمكن ابتلاعها قبل بدء تنفيذ الغارات الجوية الأمريكية ضد مواقع الدولة الإسلامية في العراق في آب/ أغسطس 2014، ثم تأسيس تحالف دولي بقيادة واشنطن وبدء هجماتها الجوية على “عملاء الإمبريالية” من الجهاديين في سوريا في أيلول/ سبتمبر 2014، وهي هجمات تجري عبر التنسيق مع “أعداء الإمبريالية” بدءا من سوريا الأسد وداعميه الروس والإيرانيين.

أعداء الإمبريالية في سوريا الأسد رحبو بأي جهد دولي إمبريالي للقضاء على الإرهاب طالما تم “بالتنسيق” مع الحكومة السورية، لكن الذاكرة المعتلة لليساريين تصر على نسيان تاريخ التعاون بين آل الأسد مع الإمبرياليين، فحافظ الأسد ونجله بشار، دخلوا في تحالفات منتظمة مع الدول الامبريالية الغربية، حيث قام النظام السوري بدور أساسي بإخماد الانتفاضات الجماهيرية في لبنان بالتحالف مع القوى الامبريالية الإقليمية، وكان شريكاً لجورج بوش الأب في غزوه للعراق عام 1991، وتعاون في الحملة الأمريكية المسماة “الحرب على الإرهاب” منذ 2001، بالإضافة لدوره المحوري بالقضاء على الحركات اليسارية في المنطقة عموما، وفي لبنان خصوصا.

غرائب اليسار لا تنقضي في فهم الحدث السوري، الذي بات رهينة لمخيلة جامحة في مناهضة الإمبريالية، إذ أصبح مفهوم العدالة الاجتماعية يعني تعميم القمع وتكافؤ الفرص في الفقر والبؤس والاستبداد، ويبدو أن منطق اليسار الثنائي القيمة يناقض المنطق الجدلي متعدد القيم، فبحسب الصديق الرفيق جوزيف مسعد كان يجب الخروج من قصر الخيارات بين الانحياز للإمبريالية أو الفاشية والبحث عن خيار ثالث للنضال بالانحياز إلى خيارات الشعوب الديمقراطية.

كشفت مسارات الثورة السورية عن عمق التناقضات التي تنظوي عليها السردية اليسارية، فقد أصبحت في خدمة الإمبريالية، فضلا عن وقوعها في شرك “الطائفية”، إذ يبدو أن خرافة “الممانعة والمقاومة” لا تزال تتسبب بحالة من العمى الإيديولوجي، فقد فضحت الثورة السورية خرافة العداء للإمبريالية والصهيونية، فالحلف المتماسك بين طهران ودمشق والضاحية اللبنانية الجنوبية يقوم على وشائج طائفية خالصة، فإيديولوجيا الثورة واستراتيجية المقاومة تبدو مأزومة وتعاني من اختلالات بنيوية عميقة يصعب ترميمها وإصلاحها، فاصطفاف إيران “الشيعية” إلى جانب نظام الأسد “العلوي” ومساندته وتدخله عسكريا ضد المعارضة السنيّة وضعت إيران في أتون صراع طائفي، لا علاقة له بأطروحة “المقاومة” و”الممانعة” للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، وظهر جليا أن سقوط نظام الأسد يمثل لإيران ضربة قاصمة تهدد مكانتها التي عملت على ترويجها منذ قيام الجمهورية الإسلامية. فقد تدخلت إيران بشكل مباشر عن طريق “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” لإسناد النظام الأسدي العلوي وأمرت حلفاءها الشيعة بالتدخل، الأمر الذي امتثل له نظام المالكي الشيعي في العراق، والمليشيات الشيعبة العراقية أمثال كتائب أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق وغيرها، وكذلك فعل “حزب الله” الشيعي اللبناني.

لا تزال سردية اليسار المأزوم تصر على أن الإسلاميين عموما والجهاديين خصوصا هم بيادق للإمبريالية وعملاء للصهيونية، إلا أن القراءة الواقعية التاريخية تكشف عن سذاجة التصور اليساري اللاتاريخي، فقد ظهرت الجهادية العالمية كرد فعل على الإمبريالية والدكتاتورية معا، فقد بدأت كحركات محلية مسلحة مناهضة للدكتاتورية في العالم العربي حيث دشنت استراتيجية “أولوية قتال العدو القريب”، وبرزت بصورتها العالمية المناهضة للإمبريالية عبر استراتيجية “أولوية قتال العدو البعيد”مع تنامي ديناميكية العولمة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، حيث كانت تؤسس لمنظومة جهادية متحدة تسعى إلى رفع الهيمنة الغربية عن المنطقة العربية والإسلامية، من خلال بناء إيديولوجية خطابية مناهضة للعولمة وتبني استراتيجية قتالية تقوم على النكاية ودفع صائل العولمة العسكرية الأمريكية، التي عملت على دعم وإسناد الأنظمة السلطوية في والمنطقة التي تآكلت شرعيتها التقليدية وحولت دولها إلى ثكنة عسكرية ومخافر بوليسية قمعية.

لقد برهنت الضربات الجوية الأخيرة للتحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وسوريا، على معاقل الجهاديين بالشراكة مع الأنظمة الدكتاتورية، على بؤس الأطروحة اليسارية، فالإمبريالية بحاجة دوما للدكتاتورية طالما قمعت شعوبها وحققت الاستقرار، ونظام الأسد شريك مهم للإمبريالية طالما ساهم في استقرار المنطقة ودخل في نادي “الحرب على الإرهاب” وحافظ على هدوء جبهة الجولان وضمن أمن إسرائيل كما فعل لعقود عديدة.

خلاصة الأمر أن المرض بالإمبريالية أدخل اليسار في حالة من العمى الإيديولوجي والبؤس الأخلاقي، فقد برر قتل مئات الآلاف من الشعب السوري، وأصبح في خدمة الإمبريالية وربيبتها الدكتاتورية، وبات مستدخلا في البنية الطائفية، ونسي أن النظام السوري تحول إلى وكيل للولي الفقيه في طهران ودخل في لعبته الطائفية، كما أنه سعى منذ أمد بعيد إلى إعادة تأهيل نفسه عبر بوابة الحرب على الإرهاب، وهو يجتهد في تقديم خدماته كحليف “بديل” أو جدير بـ “ثقة” الإمبريالية في معركتها “ضد الإرهاب”، وخاصة إرهاب الإسلاميين والجهاديين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.