يجب إسقاط الحرب الطائفية …عقاب يحيى

يجب إسقاط الحرب الطائفية …
لم تعد الكلمات قادرة على استيعاب التحولات التي تغطي وجه الأحداث، وتدفع بها نحو صراع مذهبي تحتشد فيه مجاميع من قوى على طرفيه، بينما جهات كثيرة : محلية وخارجية تغذّيه ليكون ساطور ذبح الكيانات، والأوطان، والوحدة المجتمعية.. لدرجة أن تاريخنا، بما فيه تلك الفترات الاحترابية، لم يشهد مثل هذه التحوّلات، لا من حيث شدّتها، ولا من حيث اتساعها، وعدد أطرافها، ومراميها وما يمكن أن تنتجه من آثار تدميرية ستصيب الجسد العربي المريض، والضعيف بالكثير من الأوبئة طويلة الأمد.. بما في ذلك الحروب الأهلية المطحنة، وما قد تجرّه من تقسيم، وتفتيت، وتهشيم .
ـ ومع أهمية الدور الإيراني وما فعل في ترجيح كفة الصراعات المذهبية، منذ سيطرة نظام الملالي، وولاية الفقيه، وموضعة مشروع قومي ـ مذهبي راح ينتشر تحت رايات فلسطين والمقاومة، ويستغل هشاشة وتخاذل النظام العربي وتخليه عن القضية المركزية التي لا يختلف عليها عربيان، ويخترق عمق المجتمعات العربية في عمليات التشييع، والتطويف، واستبدال الصراعات الاجتماعية ـ السياسية بلون مذهبي مغلف بكثير من الباطنية والخبث….فإن إشكالياتنا أعمّ، وأعمق، وتتصل مباشرة ب : بنى التخلف المتعضّدية، والتي ازدادت رسوخا، وتشعباً، وتمكناً مع سيطرة وتأبيد نظم الفئوية، والاستبداد، والنهب والفساد، وتكريس الحكم الأحادي القامع، الذي يغتال الحريات العامة والفردية، ويسبي المجتمع لإخضاعه وتكييفه وفق منظومة التقاطية تهشيمية .
كما يتصل ـ بالترافق مع ذلك، ومع وجود مشروع إيراني ـ بغياب أي مشروع عربي نهضوي، وحدوي، استقلالي.. وآثار ما فعلته نظم الردة والنحر والنخر على ذلك المشروع الذي تهاوى منذ هزيمة حزيران 1967، وسقط مع وفاة عبد الناصر، واستكمل تذرّيه باغتياله المنظم تحت رايات تنتسب إليه، وما ينتجه هكذا واقع على المجتمعات العربية وهي تتخثّر، وتتراجع، وتلجأ إلى أشكال ما قبل وطنية. ما قبل قومية وقيام الدولة المؤسساتية العصرية، التي تحقق المساواة بين مواطنيها استناداً على دستور يختاره الشعب، وقوانين ناظمة صادرة عن هيئات تشريعية حقيقية، وتطبّق على الجميع .
******
كثيرة القضايا التي يمكن تناولها في عمق بنى التخلف ومفرزاتها، وموقعها من الذي يجري.. لكننا هنا، والزمن زمن ثورات الربيع العربي التي يجري اغتيالها، أو تشويهها، أو إثقالها بمحمّلات غريبة عنها أصلاً كي تكون هي البديل، فإن الفكر الأقلوي، الاحتكاري يجد مراتعه الخصبة في بيئات حاضنة، او متحوّلة كي يصعد إلى مواقع القيادة، والتأثير، والفعل وردّ الفعل.
الفكر الأقلوي ليس قصراً ـ هنا ـ على ” المكوّنات” الإثنية والقومية والعرقية والدينية والمذهبية بل يكون عاماً في غياب الحريات العامة والفضاءات الرحبة التي تسمح بتعايش وتلاقح وتفاعل جميع الأفكار، والاتجاهات.. وصولاً إلى الامتحانات الديمقراطية التي يقرر فيها الشعب خياراته، والبرامج التي يريد..
ـ وعلى سبيل المثال.. فإن عديد المعارضين المحسوبين على اليسار والعلمانية والاتجاهات القومية يحملون في أعماقهم، وبدرجات متفاوتة، ذلك الآخر ابن وإنبات بيئة تعبوية أقلوية، حذرة من الآخر، تحمل في أعماقها مخلفات القرون، وبعابع الخوف من “الأكثرية ” فتعيش نوعاً من ازدواج اقرب للانفصام، وتتأرجح في مواقفها، حتى إذا ما حان أوان حسم المواقف، وإذا ما شعرت بتقدّم الأكثري في ميادين الصراع.. تمرّجحت، ويمكن أن تنقلب إلى خندق مخالف تحت مبررات شعاراتية كبيرة مملوءة بالأدلجة، والتبريرات السياسية اليسارية والديمقراطية. ولئن ناقشنا بشكل صريح، وشجاع حالة ” أبناء الطائفة العلوية” بوجه الخصوص ـ بالنظر إلى انهم أكثر المعنيين، وكونهم يقعون تحت مجهر الفحص الدائم، والاشتباه في حقيقة معارضتهم، وما يعيشونه من شكّ الآخرين بهم وبوطنيتهم، وانفصامهم الكلي عن النظام، والحسابات القائمة على معايير طائفية تخص الواقع والمستقبل.. وفق ذلك التعميم الخطير الذي يتحدث عن الطائفة بالجملة، وكوحدة، وبناء مستقل … سنجد كثيراً من البلبلة، وكثيراً من الانتقادات للاتجاهات الإسلامية بشتى أنواعها، بما فيها المعتدلة، والإيمانية، وبما يوفر أرضية جديدة للتشكيك وعمليات التعميم .
ـ بالمقابل.. فإن ضعف، وغياب اتجاهات دينية إسلامية وسطية حاملة لمشروع نهضوي، ديمقراطي، وإصلاحي يؤمن ـ بجلاء ـ بالتعددية، والدولة المدنية وإبعاد الدين عن السياسة، وتقليم، وتحجيم الاتجاهات المتشددة، واصحاب مشروع الإسلام السياسي، والخلافة، والإمارة، ناهيكم عن الفكر الداعشي وما أوجده من بيئات حاضنة، أو مروّعة.. أدّى ويؤدي إلى مجموعة من الانفصامات والتمايزات في الخندق الذي يُفترض أن يكون خندق الثورة، وقاد ذلك إلى تراجع منسوب المنخرطين في الثورة من ” القليات المذهبية والدينية” بوجه الخصوص.. لدرجة انسحاب عديد المعارضين ووقوفهم على الحياد، أو في شعاب تصل إلى الحفاظ على النظام الفئوي، وتصبّ في مصلحته .
ـ لقد خطت حركة الإخوان المسلمين خطوات مهمة على صعيد بلورة رؤية سياسية متقدمة تقرّ بوضوح الالتزام بالدولة التعددية، وترفض إقامة الدولة الإسلامية الصرفة، وعديد من المفردات والأسس الناظمة للنظام الديمقراطي.. إلا أن التركيب العام للحركة بوجود اتجاهات مختلفة فيها، تغذيها تصريحات مناقضة ومتناقضة، من جهة، والاتهامات الموجهة لها بعدم اقتران الأقوال بالأفعال، من جهة ثانية، وضعف حضورها بالقياس إلى نمو الاتجاهات الإسلامية المتشددة وسيطرتها على العمل المسلح، من جهة ثالثة، والتردد في قيادة مشروع إصلاحي شامل، من جهة رابعة..تفتح الأبواب أمام المتخوفين، والحذرين، والمشككين، وتدفع الازدواجيين إلى الاصطفاف في المواقع الأخرى .
*****
إن الدفع بقوة نحو الصراع المذهبي عملية مبرمجة تساهم فيها عديد الأطراف التي لها مصلحة في تحقيق أهداف كبيرة ضد الوطن العربي ومستقبله . هنا نجد الدور الإيراني طاغياً، ومنظماً وقد نجح على مدار العقود، وعبر الركوب على القضية الفلسطينية وشعارات المقاومة، وبالمقايضات المشبوهة مع الإدارات الأمريكية والكيان الصهيوني.. حتى إذا ما احتلت بغداد، وتمّ تدمير الدولة العراقية كانت إيران جاهزة لعقد صفقة كبيرة مع الاحتلال تسيطر فيها على العراق، وتُخضعه لعملية تطويفية مرعبة كانت التصفيات الإبادية، والتغييرات الديمغرافية، والانتقام الثأري الحاقد، واستخدام المظلومية تأجيجاً لبؤر التاريخ المظلمة أسلحة هجومية في عموم المنطقة.. والتبجّح بالهيمنة على عدد من العواصم العربية.. حتى إذا ما قامت ثورات الربيع العربي وحطّت رحالها القوي في سورية تكشّف غطاء الدجل عن الشعارات كلها، واصطفّت إيران ومليشياتها الطائفية المحسوبة عليها في خندق النظام، والانتقال العلني إلى منع إسقاطه، ثم التدخل الذي يشبه الاحتلال.. وفق علاقة عضوية تتجاوز التحالفات إلى ما هو طائفي بيّن..ثم اليمن ومفاعلاتها، وكمّ الاحتقان المذهبي الذي ولّدته.. وصولاً على حكاية داعش، وحرب الإرهاب.. وما تفعله مجاميع مليشيات ” الحشد الشعبي” الشيعي من تفظيع وانتقام وإبادة …
ـ كما نجد دور “إسرائيل” صريحاً.. وإن لم يظهر على المسرح علنياً. فالصهيونية، ومنذ عقود مديدة، تخطط وتعمل على حفر وتوسيع دائرة الصراعات الإثنية والطائفية، ومعها مجاميع خارجية في الإدارات الأمريكية والغربية..وعبر غياب الدور العربي، وتهاوي النظام الحاكم، وغرقه في الجزئيات القطرية، والبقاء في الحكم بأي وسيلة وثمن.. كانت المشاريع البديلة تجد ترحيبها في واقع فراغي رهيب…
ـ إن سيطرة التطرف، والإسلام السياسي : ردّ فعل وفعل، على العمل المسلح في سورية، وإضعاف، وتصفية قوى الاعتدال من مختلف الاتجاهات.. خدمت، وتخدم المشروع الخارجي ولو من حيث النتيجة، وقدّمت وتقدّم له الوقود المنوّعة كي يشتدّ أواره، وينتشر حريقه في دنيا العرب، وعلى حساب قضاياهم الرئيسة، وأهداف ثورات الربيع العربي، ومستقبل الوطن ..لذلك يطالب هؤلاء المقاتلون بالعودة إلى جوهر الثورة : كثورة شعب، وإلى أهدافها التي انطلقت منها، ولأجل تحقيقها، والابتعاد عن شراك الأفخاخ والمخططات بدحرها برايات الوطنية السورية، والمشروع العربي الموحد ..
عقاب يحيى
11 نيسان 2015

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.