يتوجب علينا جعل الحديث عن الصحة العقلية أمراً مقبولاً

هنرييتا فور (المديرة التنفيذية لليونيسف)

رسالة مفتوحة إلى أطفال العالم في الذكرى الثلاثين لاتفاقية حقوق الطفل.

لِمَ أنا قلقة؟

لو أننا صدقنا كل شيء نقرؤه عن المراهقين اليوم والصور التي يرسمها لنا التّلفاز والأفلام عنهم، لكنّا معذورين إن حسبناهم جيلاً جامحاً وكارهاً للمجتمع. ولكن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. حيث تظهر الأدلة في واقع الأمر، أن الممارسات الضارة من قبيل التدخين واستهلاك الكحول أقل انتشاراً بين مراهقي اليوم مقارنة مع الأجيال السابقة، كما أنهم أقل توريطاً لأنفسهم في المشاكل، وبصورة عامة أقل ميلاً للمخاطرة. بل يمكنك حتى وصفهم بالجيل المتعقل.

وعلى الرغم من ذلك، يظهر أحد مجالات المخاطر المتعلقة بالمراهقين نزعة في الاتجاه الخاطئ مثيرة للقلق الشديد تذكّرنا بسرعة التّأثّر الخفيّة التي ما زال اليافعون يحملونها بداخلهم. فقد أخذت اضطرابات الصحة العقلية عند اليافعين دون سن الثامنة عشرة تتصاعد بثبات خلال السنوات الثلاثين الماضية، فيما يُصنّف الاكتئاب اليوم من بين الأسباب الرئيسية للإعاقة في صفوف صغار السن.

وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فقد توفي 62,000 مراهقاً خلال عام 2016 بسبب إيذاء النفس الذي بات يشكل اليوم ثالث الأسباب الرئيسية للوفاة في صفوف المراهقين من سن 15-19 سنة.

ولا تقتصر هذه المشكلة على البلدان الغنية – إذ وقع ما يزيد عن 90 في المئة من حالات انتحار المراهقين في عام 2016 في بلدان منخفضة أو متوسطة الدخل حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. وفي الوقت الذي يفتقر فيه اليافعون الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة في البلدان ذات الدخل المنخفض للعلاج والدعم في أغلب الحالات، لا يوجد بلد في العالم يمكنه الادعاء بأنه قد تغلب على هذا التحدي.

وأقتبسُ هنا قول خبير الصحة العقلية بمنظمة الصحة العالمية شيكار ساكسينا “عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية، فجميع البلدان هي بلدان نامية”.
ويتضح من حجم الإنفاق على الصحة العقلية أنه ثمة حاجة إلى إيلائها أولوية أكبر في العالم كله، إذ تنفق البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أقل من 1 في المئة من إجمالي ميزانيتها الصحية على الصحة العقلية بينما تنفق البلدان المرتفعة الدخل ما بين 4-5 في المئة فقط.

وتعمل اليونيسف مع الأطفال الذين عانوا من صدمات لا يمكن تصورها، والتمييز بين الجنسين، والفقر المدقع، والعنف الجنسي، والإعاقة، والأمراض المزمنة، والعيش في ظروف النزاعات، وغير ذلك من التجارب التي تتركهم أكثر عرضةً لمخاطر التعرض للكرب العقلي.

ولا يقتصر الثمن المدفوع على المستوى الشخصي، بل يتخطاه إلى المستوى الاجتماعي، لذلك يُدرج المنتدى الاقتصادي العالمي الصحة العقلية باستمرار باعتبارها أحد الأعباء الاقتصادية الكبرى على مستوى الأمراض الصحية غير السارية. وبالرغم من كثرة الأدلة على أن أزمة ما تلوح في الأفق، وعلى الرغم من الاتجاهات المقلقة المتمثلة بتصاعد معدلات الانتحار وإيذاء النفس، لا تزال البرمجة المتعلقة بالصحة العقلية على مستوى العالم تغفل في أغلب الأحيان مسألة الصحة والعافية العقليين للمراهقين.

لماذا هناك أمل؟

يبدأ نصف الاضطرابات العقلية التي تدوم مدى الحياة بالظهور قبل سن الرابعة عشرة، لذلك يجب إعطاء الأولوية لتعزيز الصحة العقلية بما يتناسب مع عمر المصاب، والوقاية من اضطراباتها وتوفير العلاج وإعادة التأهيل. ويكتسب الكشف والعلاج المبكران أهمية كبرى لمنع نوبات الكرب العقلي من بلوغ درجة الأزمة وإلحاق الضرر بحياة الشباب النفيسة وخسارتها.
ولكن الخوف من العار والحرمة المفروضة اللذين يمنعان المجتمعات من الحديث صراحةً عن المشكلات الصحية العقلية يقفان في أحيان كثيرة حجر عثرة في طريق حصول الشباب على المساعدة في مرحلة مبكرة.

لكن لحسن الحظ، فقد بدأت هذه المحرمات بالسقوط فيما عاد الشباب إلى تصدُّر المشهد عن طريق تأسيس منظمات غير حكومية وتطوير تطبيقات رقمية وزيادة الوعي والتحدث بصراحة عن صراعاتهم مع الأمراض العقلية ومحاولاتهم للتصدي لحالتهم على أمل أن يؤدي ذلك إلى تمكين الآخرين من القيام بالشيء ذاته.

وتعمل اليونيسف عن طريق الحملات في المدارس على تشجيع الحديث في موضوع الصحة العقلية في نقاشات علنية. ففي كازاخستان، على سبيل المثال، التي سجّلت واحداً من أعلى معدلات الانتحار بين المراهقين في العالم، كثفت اليونيسف جهودها الرامية إلى النهوض بمستوى تمتع المراهقين بصحة عقلية جيدة من خلال تنفيذ برنامج تجريبي واسع النطاق في أكثر من 450 مدرسة.

وقد عمل هذا البرنامج على زيادة الوعي وتدريب المدرسين على تحديد الحالات عالية مستوى الخطر وضمان إحالة المراهقين المعرضين للخطر إلى اختصاصيّين صحيين. وشارك نحو 50,000 يافع في التطبيق التّجريبي لهذا البرنامج والذي كانت له نتائج جيّدة على صعيد العافية العقليّة للمراهقين. ومن ثم تم توسيع نطاق تطبيق البرنامج ليشمل ما يزيد عن 3,000 مدرسة.

وقد أسفر إعطاء الأولوية لتعزيز الصحة العقلية للمراهقين ومنع الانتحار عن انخفاض بنسبة 51 في المئة في معدل الوفيات الناجمة عن إيذاء النفس ضمن الفئة العمرية 15-17 سنة على المستوى الوطني، بينما انخفض عدد حالات الانتحار من 212 حالة عام 2013 إلى 104 حالات عام 2018 لنفس الفئة العمرية.

وربما كان التطور الأهم في هذا المضمار السعي الجاري حالياً لإدراج الصحة العقلية ضمن خدمات الرعاية الصحية الأساسية مما يساعد في التغلب على الخوف من العار الذي يثني اليافعين في الغالب عن السعي للحصول على المساعدة.

مصدر اليونيسيف
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.