ويمر 22 و 23 شباط مرور المنسيين ..

  

 بقلم:  عقاب يحيى

      لم يكن الثاني والعشرون من عام 1958 يوماً عادياً فقد ارتبط بإعلان الوحدة المصرية السورية فيما يعتبر أهم إنجازات العرب في العصر الحديث، والتي لم تعمّر طويلاً فانتهت في 28 أيلول 1961.. لبدء عصر الدولة الإقليمية، وغياب الأفق الوحدوي،  بل والمشروع الجامع للأمة، وصولاً إلى تعرّض تلك الدول إلى مخاطر تهددها بالتقسيم والتفتيت .

     كثيرة المبررات التي دفعت لتحقيق تلك الوحدة، وأهمها : الردّ على فعل التجزئة القسري الذي رسّمته اتفاقية ” سايكس” بيكو، والتي قسّمت بلاد الشام إلى عدد من الدول، وأوجدت، ورسّمت حدود دول إقليمية، وتوّجت ذلك باغتصاب فلسطين، وسط نمو وتصاعد ما يعرف بحركات التحرر الوطني والقومي، وخوض عديد البلدان حروب التحرير ضد الاستعمار، وكانت الثورة الجزائرية التي أنجزت الاستقلال من أهمها، وأكثرها تأثيراً، وسط زخم شعبي ناهض .

     بغض النظر عن المحتوى والسلبيات، والظروف التي تمّت فيها الوحدة، فلا شكّ أنها بدت تتويجاً لحلم عربي كبير، وتجسيداً لأمل عاشته الشعوب العربية بأغلبيتها الساحقة، ومن جميع البلدان العربية، فعرفت انهماراَ شعبياً قلّ مثيله في التاريخ العربي، وكرّست الرئيس عبد الناصر زعيماً وقائداً للمرحلة دون منافس وسط تأييد عارم تجاوز البلدين إلى عموم العرب .

      لقد تراكبت، وتداخلت العوامل البنيوية بتلك الخارجية شديدة التأثير لتنتج انفصالاً مفاجئاً نجح في النفاذ من ثغراتها، ومن طبيعة النظام الذي قام، والذي استند إلى الفرد، الزعيم، والفوقية بديلاً للأحزاب وقوى الشعب، وإلى العقلية العسكرية الأوامرية التي تصادر الحريات الفردية، وترفض عقلية المؤسسة واختيارات الشعب، والانتخابات الحرة، والتأثر بفلسفة الاتحاد السوفييتي التي راجت عن طبيعة الحكم المركزي، الشمولي، والحزب الواحد، وتغييب الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية والفردية تحت ستر حرق المراحل، والعنف الثوري، والاشتراكية المفتقدة لظرفها الموضوعي، وأدواتها وقواها.

     إن إصرار الرئيس عبد الناصر، متأثراً بطبيعة الحكم العسكري الذي قام في مصر بعد ثورة 23 تموز ـ يوليو، وواقع مصر، على حلّ جميع الأحزاب السياسية، وإلغاء التجربة الديمقراطية المتميزة في سورية، والاعتماد على حزب فوقي من صناعة السلطة ضمّ خليطاً عجائبياً من قوى متنافرة، أفقد تلك الوحدة أهم أسس حمايتها، وارتكازها، ووضعها فريسة البيرقراطية، والنفعية، والانتهازية، والمظهرية السياسية.. بما سهّل اختراقها من قبل عناصر وقوى كانت داخلها وفي مواقع مهمة فيها .

ناهيكم عن اختلاف الظروف والبنى بين البلدين والتي لم تتم مراعاتها، وأخذها بالاعتبار .

     بالوقت نفسه فإن وحدة بلدين من أهم بلدان الوطن العربي، بذلك الزخم، والشعارات النارية في محاربة الاستعمار، وقوى التخلف والرجعية، وتلمسها لمشروع نهضوي، تحرري ةمقاوم لتركة الاستعمار ومخلفاته، وللكيان الصهيوني وأخطاره.. اعتبر اختراقاً للخطوط الحمراء التي وضعتها الدول الاستعمارية، وللمشروع الصهيوني، وللنظم العربية المعادية للوحدة، وتلك التي تدور في الفلك الغربي، فالتقت تلك العوامل لإنتاج الانفصال الذي كرّس منهجه في الحياة العربية منذ ذلك التاريخ، وأبعد مشروع الوحدة الاندماجية، وحتى الاتحادية عن جدول الأعمال .

      ورغم إنهاء الانفصال بانقلاب عسكري في الثامن من آذار 1963 على يد قوى عسكرية تنتمي لأحزاب واتجاهات قومية : البعثيين والناصريين والمستقلين، ووجود حالة شعبية متنامية تطالب بإعادة الوحدة الاندماجية فوراً، وبدء ما يعرف بالمباحثات الثلاثية بين العراق وسورية اللذين وصل البعث فيهما إلى الحكم، مع مصر، وتتويج ذلك بما يعرف ب”الميثاق الثلاثي” /17 نيسان 1963/ إلا أن عوامل الخلاف، الذاتية والموضوعية، واختلاف النظرة إلى طبيعة الوحدة ومحتواها، والجوانب الذاتية التي أفرزتها مرحلة الوحدة والانفصال، كانت أقوى من عوامل التوحيد، والاستجابة لإرادة الشعب، بل وحتى لشعارات تلك القوى الحاكمة، وانتهى الميثاق عملياً في 18 تموز 1963 حين حاول الناصريون الانقضاض على الحكم بانقلاب صباحي فشل، وأدّى إلى تصفيات مهمة للقوى المحسوبة على الخط القومي، خاصة في الجيش، وإلى الخلاف الشديد مع الزعيم عبد الناصر، وعملياً : انتهاء مشروع التوحيد.. خاصة بعد وصول قوى ارتدادية خرجت من رحم النظامين المصري والسوري وتجويف الشعارات، وتشديد أسوار القطرية وما دون الدولة الوطنية/ بدءاً من الوفاة الفجائية لعبد الناصر، وانقلاب الأسد ” التصحيحي”/ .

                                                    ****

وفي 23 شباط 1966 جرى حسم الصراع الداخلي بين أجنحة البعث بوسيلة عسكرية أيضاً ضمن ما يعرف باليمين واليسار لصالح الأخير، وبدء مسيرة انتهت عملياً في هزيمة الخامس من حزيران 1967 التي أنتجت بعد أقل من عامين ونصف ” الحركة التصحيحية” التي أرست دعائم نظام الفرد، القائد، الأبدي، وبدء مسيرة مختلفة نوعياً عن تلك التي كانت بكل سلبها وإيجابها كان البعث كأهداف، ومشروع أكبر وأول ضحاياها، وسورية برمتها، إلى جانب عدد من البلدان العربية، والقضية الفلسطينية بوجه التحديد .

     وحين وصل الجناح الآخر للحكم في العراق /18 ـ 30 تموز 1968/ فإن وتيرة الخلافات بين النظامين كانت الأشد والأكثر عنفاً لدرجة تثير حيرة واستغراب كثير من المهتمين . بل إن نظام الأسد الرافع لشعارات القومية العربية، وشبه العلماني انحاز إلى جانب إيران الحاملة لمشروع إسلامي، ومذهبي أيضاً طوال سنوات الحرب بين العراق وإيران، ثم المشاركة في التحالف الدولي الذي قادته أمريكا عام 1991 لإخراج العراق من الكويت وبدء حصار استثناء عليه انتهى بغزو البلد، وتدمير الدولة العراقية، ثم مآل هذا النظام في سورية وهو يلغي أهم أسس الجمهورية بفرض التوريث، وهو يدمر البلد، ويقتل مئات الألوف من شعبها، ويخون بصفاقة أبسط شعارات حزب البعث المرفوعة، ويستند إلى الطائفية، وإلى نهج استبدادي، إجرامي، ونظام عائلي أقرب للمافيوزي .  

ـ يمكن أن يقال الكثير في الذي جرى من صراعات، عواملها ومبرراتها، وإن كانت الأمور تقاس بالنتائج وليس بالنوايا والشعارات، وهي مدمّرة على الصعيد السوري، وتركت آثارها السلبية العميقة على عموم البلدان العربية، والمنطقة .

ـ وهناك حقيقة نتائجية بارزة تقول أن غياب الديمقراطية، واعتقال حريات المواطن، والدوس على حقوقه الطبيعية، وتغول النظام على الدولة، والفرد على الجميع.. كانت في مقدمة أسباب الهزائم، وفي الوضع الذي وصلنا إليه .

ـ كما أن الوحدة العربية، أوأية أشكال اتحادية قابلة للحياة.. بقدر ما هي سبيل الأمة لمواجهة أزمة الدولة القطرية، والأخطار والتحديات الحقيقية، بقدر ما يرتبط تحقيقها بأوضاع ديمقراطية توفر للشعب بيئة صحية للتحرك والمشاركة، والقرار .

إن غرق البلدان العربية بأزماتها التراكمية والبنيوية، على قاعدة غياب الديمقراطية، وترسيخ الحكم الاستبدادي.. قاد ويقود إلى وجود بيئة صالحة لشتى أنواع الانفجارات الشعبية وغيرها، والتي باتت تهدد تلك البلدان بمزيد المخاطر التي تحمل معها القابلية للتمزق، وللعودة إلى أفكار وأوضاع ما قبل الدولة الوطنية، وتهديد الوحدة الوطنية، الهشّة اصلاً، بحروب أهلية قد تطول، وتّحدث شروخات عميقة في الكيانات الحالية.. ما لم تنجح الثورات الديمقراطية، وعملية تغيير الأوضاع الحالية باتجاه إشراك الشعب في الحكم، وتكريس التعددية، والتداول السلمي على السلطة..

حينها يمكن أن تقود الحركات الشعبية، والمصالح المشتركة الشعوب العربية نحو أشكال من التوحد قائمة على أسس صحيحة، وقابلة للتطوير والحياة، وتحقيق  إرادة وطموحات الشعوب .  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.