وماذا بعد ؟ -د. هشام رزوق

والآن وبعد أن قررت الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي لمحاربة “داعش” معلنة أنها تقود هذا التحالف وأنها وحدها من يحدد لكل طرف مشارك فيه المهمة التي سيقوم بتنفيذها، وبعد أن بدأت طبول الحرب تصم الآذان وبدأت الغارات الجوية الأمريكية والفرنسية بشكل فعلي في العراق، في هذا الوقت لا بد من إبداء الملاحظات التالية:
1) احتلت القوات الأمريكية الغازية العراق ودخلت بغداد بشكل هوليودي وأعلن الرئيس الأمريكي “بوش” الإبن ـ وهو بلباسه العسكري الذي أثار سخرية العالم ـ من على ظهر حاملة الطائرات بأن المهمة انتهت بالنصر، إلا أن فرحته لم تدم طويلا، فبعد أقل من أسبوع على هذا التصريح انطلقت المقاومة العراقية كأسرع مقومة في التاريخ تجابه احتلالا أجنبيا من طرف القوة الأعظم في العالم.
فصول المقاومة العراقية الوطنية للاحتلال معروفة للجميع، فلقد كبدت القوات الغازية ومن حالفها من قوات غربية وعربية خسائر فادحة في الأرواح حيث بينت إحصائيات وزارة الدفاع الأمريكية نفسها وقوع أكثر من خمسة آلاف جندي قتيل وأكثر من أربعين ألف جريخ وخسارات مادية تقدر بتريليونات الدولارات .
2) في ذروة التواجد العسكري الأمريكي في العراق وصل عدد الجنود إلى أكثر من 180000 جندي بين أمريكي وبريطاني ومن جنسيات متعددة، إضافة إلى آلاف الآليات العسكرية والدبابات الأكثر تطورا مدعمة بمئات الطائرات المقاتلة الأكثر حداثة أيضا والأكثر فتكا. استخدمت القوات الغازية كل ما في ترسانتها من أسلحة فتاكة متطورة محرمة دوليا مثل اليورانيوم المنضب، وشاركت القوات الأمريكية كل الميليشيات الطائفية التي دربتها إيران وسلحتها وأدخلتها إلى العراق لتقاتل إلى جانب الاحتلال الأمريكي.
3) رغم كل هذا الحشد الهائل ورغم القتل لمئات آلاف المناضلين من كوادر البعث ومن القوى الوطنية والإسلامية ومن تهجير الملايين من العراقيين من بيوتهم وقراهم ومدنهم ورغم كل القوانين الطائفية وحل الجيش العراقي وقانون اجتثاث البعث سيء الصيت، رغم كل ذلك لم تستطع الولايات المتحدة وحلفاؤها القضاء على المقاومة الوطنية واضطرت إلى الخروج من العراق مهزومة متعبة. صحيح أنها وضعت يدها على حقول النفط وسلمت البلد لأكثر خلق الله فسادا وطائفية وحقدا على العراق والعراقيين، ووضعت أسس تقسيمه عمليا بين السنة والشيعة والأكراد، إلا أن جذوة الثورة لم تنطفئ وبقيت المقاومة صامدة في وجه الولايات المتحدة وإيران وعملائهما الصغار من أمثال المالكي والحكيم والصدر أولئك الطائفيون الحاقدون، بحيث أن مشروعهم السياسي اقترب من نهايته مما أذن بنهاية حكم العملاء ومن يدعمهم.
4) مع اقتراب فشل العملية السياسية بمجملها كان لا بد من تحرك أمريكي إيراني لإنقاد ما يمكن إنقاذه، الهدف منه محاولة القضاء وبشكل حاسم على المقاومة الوطنية العراقية واستمرار العملية السياسية التي تؤمن لأمريكا وإيران أهدافهما ومصالحهما في العراق، فكانت ” داعش” حصان طروادة الذي ركبوه ليدخلوا من خلاله بهذا الشكل، فأوباما الذي كسب رئاسته من خلال نقده للتدخل العسكري في العراق ووعده بسحب القوات منه ـ وهو ما فعله ـ وهو الذي نال جائزة نوبل للسلام قبل أن يبدأ رئاسته الفعليه، محتاج لمبرر قوي لإرسال قواته إلى العراق مجددا.
وإيران التي “تورطت” بنزاعات قد تكون أكبر من قدرتها، إذ هي تتدخل في البحرين والعراق وسورية واليمن ولبنان، وتدفع أموالا طائلة في كل الاتجاهات مما سبب لها ضائقة مالية خانقة واحتجاجات من طرف الإصلاحيين ومن فقراء الشعب، تحتاج هي الأخرى إلى مبررات قوية لاستمرار تدخلها في العراق وسورية على وجه الخصوص، وكانت “داعش” أيضا هي حصانها الذي تستخدمه لهذا الغرض.
كما أن المستفيد الأكبر من ظهور داعش واحتلالها لأجزاء واسعة من العراق وأهمها مدينة الموصل، هم الأكراد الذين سارعوا لاحتلال مدينة تكريت الغنية بالنفط إضافة إلى مناطق واسعة كانوا يطالبون الحكومة المركزية بمنحهم إياها لاستكمال بناء دولتهم ليس فقط في شمال العراق لكن أيضا في شمال وشمال شرق سوريا.
أما النظام السوري فقد كانت له قصته المتعلقة بالاستفادة من وجود “داعش” التي ترك لها الحبل على الغارب لتمارس القتل والإجرام في المناطق التي سيطرت عليها وأهمها منطقة الرقة التي تعتبرها داعش عاصمة لخلافتها.
إذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلا القضاء على داعش ومحاربة الإرهاب كما تدعي، فإن هذا الحلف الذي سارعت لتشكيله سيكون عاجزا عن إنجاز تلك المهمة، إذ لا يمكن القضاء على تنظيمات من نوع داعش عن طريق الضربات الجوية. ثم من هي القوة البرية التي ستدخل العراق لدحر داعش؟ فإذا كانت الجيوش الأمريكية والبريطانية وما رافقها من طيران وبوارج حربية وعملاء وميليشيات طائفية وشركات أمنية ومخابرات العالم كله كانت عاجزة عن القضاء على المقاومة العراقية المسلحة رغم ما أصابها من ضعف وخسائر كبيرة، فكيف سيتمكن الجيش العراقي الطائفي المنهار والبيشمركة من تحقيق تلك الأحلام الكبيرة؟
وإذا افترضنا نجاحهم في طرد داعش من المناطق التي سيطرت عليها في العراق فمن يطردهم من سورية؟ وماهي الضمانات من أن داعش لن تعود مرة أخرى وتقود حرب عصابات طويلة ومنهكة للجميع؟
إن هناك كذبة كبرى تخفيها الولايات المتحدة، ومخططا جهنميا يرمي إلى تثبيت هيمنتها على مقدرات العراق بشكل خاص، ثم خلق وتثبيت كيان وحدود الدولة الكردية في شمال العراق وسورية وفصلها نهائيا عن الدولتين العربيتين، وتثبيت دور الهيمنة الذي تلعبه إيران في كل الأقطار العربية التي تتدخل بها حاليا لقاء تنازلها عن برنامجها النووي، واستنزاف دول الخليج ماليا ولآخر دولار يملكونه.
إن إعطاء دور لإيران فيما يسمونه “محاربة الإرهاب” يعني فيما يعنيه إعادة تأهيل النظام السوري والاعتماد على خدماته في تلك المهمة.
أمام تلك الوضعية ماذا نحن فاعلون في سورية؟ وماذا سيكون مصير الثورة والمعارضة والائتلاف والفصائل المسلحة؟ الولايات المتحدة تقول أنها تسلح المعارضة المعتدلة، فمن هي ياترى تلك المعارضة؟ وهل تدريب خمسة آلاف معارض في السعودية يكفي لقتال داعش والسيطرة على المناطق التي يمكن أن تنتزع منها؟ إنها أيضا كذبة كبرى.
إني أرى أن الولايات المتحدة وكل جمع الحلفاء هذا لا يريد للثورة السورية أن تنتصر، يريدون وأد فكرة الثورة والتمرد على الأنظمة إلى الأبد، يريدون خلق الكيان الكردي ودول طوائف ومذاهب وقبائل وأعراق، يريدون ضرب السنة “الإرهابيين” بالسنة “المعتدلين” حسب توصيفاتهم هم يريدون أن يركبوا لنا إسلاما على هواهم، وقرآنا كما يريدون.
إن المخاطر على الأوطان هائلة ومحدقة وهي الآن على طريق التنفيذ لأنها فرصتهم الذهبية في ظل حالة عدم التوازن التي يمر بها العالم العربي والإسلامي.
إن الوقوف في وجه هذا الحلف الخبيث أصبح من الضرورات الملحة، ولا بد من التفكير الجدي وبالسرعة القصوى لسحب البساط من تحت أقدام هذا الحلف برفض الوقوع في شراكه أولا وعدم الانجرار وراء وهم ضرب النظام السوري، فهذا ليس في وارد عملهم، ولا بد من رفض الاقتتال بين متطرف ومعتدل فالجميع بالنسبة لأمريكا إرهابيون. لا بد من أن تتوحد كل الفصائل المقاتلة على أرض سورية لرفض التعاون مع القوات الغازية ولتوجيه بنادقها لقوات النظام، فداعش ليست سوى حصان طروادة الذي ساهمت أمريكا وإيران والنظام السوري بخلقه ورعايته وتسمينه للقيام بتلك المهمة القذرة.
كما تفرض الضرورة التنسيق بين الفصائل السورية المقاتلة والتي ترفض الدخول في الحلف الأمريكي وبين المقاومة المسلحة العراقية لإفشال مخطط تقسيم العراق وسورية وخلق الدولة الكردية بالشكل الذي يريدون.
إنه من المخزي أن ينجر الائتلاف الوطني السوري المعارض ويطلب التدخل الأمريكي لضرب داعش في سورية وكأنه لا يعرف من أين أتت داعش. إنه موقف مخجل بكل المقاييس ويعبر عن عدم وجود أية رؤية سياسية تقرأ الوضع بشكل صحيح، كما تعكس درجة الارتباط بالمال السياسي وفقدان الاستقلالية في التفكير واتخاذ القرار.
ومرة أخرى أكرر أنه على كل الوطنيين المخلصين الذين لم يبيعوا ضمائرهم للمال السياسي العربي أو الأجنبي أن يأتلفوا ويتفقوا على خطة عمل سياسية تتضمن الحد الأدنى الضروري من الجدية في العمل المشترك وتجاوز الخلافات الثانوية والحساسيات والمصالح الفردية والحزبية والأنانية من أجل العمل لإنقاذ وحدة أوطاننا أرضا وشعبا وهوية، وإلا فالضياع ينتظرنا جميعا ولن تقوم لهذه الأمة قائمة بعد هذا.

د. هشام رزوق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.