وللثامن والعشرين من أيلول حكايا خاصة…عقاب يحيى

في الثامن والعشرين من أيلول..حدثان مهمان وقعا.. وكأنهما مربوطان بحالة أقرب للقدرية، أو الفعل التنجيمي …الانفصال.. ووفاة عبد الناصر..
كان الانفصال حدثاً انعطافياً شاملاً.. سقطت فيه، من أيامها، أول وأهم تجربة وحدوية بين مصر وسورية، ودشّن فعل البوار وفشل جميع المحاولات التوحيدية الحقيقية والتي استبدلت بأطنان شعارات التكتيك، ومشاريع الوحدات الخلّبية التجويفية أو التمريرية، والمحاورية.. بل إن الدولة الوطنية : نتاجات سايكس ـ بيكو، والاستعمار، تعرّضت وتتعرّض لمزيد من التذرية والتفكيك.. وبسبب رئيس يجب أن نضعه نصب الأعين : العامل الذاتي الذي يعود جله، وأساسه إلى طبيعة النظم التي سادت، والتي فحشت استبداداً، ونهباً، وفساداً واغتيالاً لآمال المواطن وقضايا الأمة.. وفشلت في تحقيق أي برنامج لدولتها القطرية التي راحت تتآكل، وتتمحّور في بؤر العائلة والعشيرة والطائفة وعصابات المافيا المتوحشة,,, كما فشلت في حلّ الإشكالات الإجتماعية لمكوناتها.. وبدلاً من أن تسهم في نزع فتائل الاقتتال، والاحتراب، والتخلف اندفعت تلك العوامل لتأخذ مساحات كبرى بديلة عن الصراعات الفعلية، وهي تسهم في شرخ المجتمعات عمودياً، وفي تهيئة التربة الخصبة لنمو دعوات التمزيق، والانفصال، وحتى الحروب الأهلية، والإرهاب متعدد الوجوه .
ـ كتابات كثيرة انهالت تقريعاً، أو تقويماً .. إو اتهاماً لعصر الوحدة، وأسباب السقوط، أو وضع المسؤولية ـ كل المسؤولية ـ على المؤامرة والقوى الخارجية، وطمس الدور الداخلي، بدءاً من الأسس التي قامت عليها الوحدة، ووقوفاً عند التجسيد وحلّ الأحزاب، ودور الأجهزة، وصولاً إلى كمّ الإهمال، والمسؤوليات الفردية الكبيرة لمن منح الصلاحيات شبه المطلقة في “تعهد” الإشراف على الوضع. كثيرها كان انفعالياً، وعاطفيا، وقليلها من حاول وضع النقاط على حروف عللنا، وبنيان التخلف، وتغوّل الذات فينا.. ودور العوامل الخاصة في توفير مناخات، وشروط السقوط.. ثم مستوى التآمر الخارجي الذي أسهمت فيه دول عديدة عربية وعالمية… حين برز غياب الديمقراطية، وتغوّل الذهن الأحادي، وبنية العسكر، والبيرقراطية، والعقل الفوقي، وبنى وقوى ومقولات الشمولية بكل مفرداتها ..
ـ الحقيقة المؤلمة أن الحديث على الوحدة، بالرغم من أهميتها، وموقعها المحوري، يبدو ضرباً في الخيال، وشيئاً من حالة الرومانس التي عاشتها أجيال وأجيال، بينما الواقع الراهن يطحن الطموحات. يعجنها ويقذفها ” كرّيات” صغيرة بطعم ومواصفات ليس الأقطار المتذرية وحسب، بل بما هو دون ذلك : دينية ومذهبية وجهوية وعشائرية وحاراتية وعائلية.. ولا بأس أن تصبح كالبيادق الصغيرة المتناثرة في رقع مرمية هنا وهناك لدى اللاعبين الإقليميين والدوليين .
ـ ورغم قيام ثورات الربيع العربي التي تشكل فيها الأماني الوحدوية، وما حلً لفلسطين وقضايا النضال العربي المشروع في انتزاع الحرية والتحرر، والمساواة.. جزءاً مهماً من أرضيتها وفتائل تفجيرها .. إلا أن الظروف المعقّدة التي تعرفها تلك الثورات : داخلية خارجية، ومحاولات خطفها، والتآمر عليها أجبرت جميع القضايا الكبرى إلى التراجع.. على أمل أن تحضر في جداول العمل بعد مراحل الانتصار والترميم .
**-****
وتشاء الصدف… أن يكون الثامن والعشرين من أيلول عام 1970 يوم الرحيل المفاجئ للزعيم عبد الناصر.. إثر انتهاء مؤتمر القمة الذي عقد في أوج مذابح أيلول الأردن ضد الثورة الفلسطينية.. وما تركه ذلك الرحيل من فراغ.. وما أسهم في صعود قوى الردة وتدشين مرحلة جديدة في مصر وسورية….بمباركة خليجية وخارجية.. لوأد ما تبقى من مشروع النهوض القومي، وخط المقاومة.. ودعم العمل الفدائي.. ووصول الطاغية الأسد إلى رأس الحكم بانقلاب عسكري أبيض في 13تشرين الثاني.. واللقاء”الصميمي” مع السادات”ثورة مايو التصحيحية”……..
ـ أذكر دموعنا الغزيرة فور تلقي خبر رحيل عبد الناصر.. وتلك الأسئلة الكبيرة التي تهاطلت عن أسباب الوفاة، وعن المستقبل.. وحال مصر والأمة بعد غياب الزعيم المتميّز، ونقاشاتنا الطويلة حول موقع الفرد في تاريخنا، ولدى الشعوب عامة، وإيجابيات وسلبيات عبد الناصر، وقد نفخنا كثيراً بالإيجابيات بعد الوفاة.. ليس تطبيقاً لحديث الرسول العظيم محمد (ص) :” اذكروا حسنات موتاكم”.. وحسب.. بل اقتراناً بالبديل، وانطلاقاً من بنية التفكير السائد فينا ..
وأذكر كلمات مؤثرة لأحد الأصدقاء في وصف حال ملايين العرب الذين شملهم حزن مقيم.. وهم يندبون الرحيل بقوله ” أن هؤلاء يبكون على أنفسهم.. وخوفهم من قادم مجهول…”وفي ذلك بعض الحقيقة.. خاصة وأن القوادم كانت وبالاً في جميع المجالات…وصولاً إلى انفجار ثورات الربيع العربي.. كردّ.. عنيف على تلك العقود.. الخواء، والهباء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.