وكانت ليلة لا تنسى

1٬075
الأيام السورية؛ علياء الأمل

الوقت بعد العاشرة مساءً والأسرة كلها نيام، ودرجة الحرارة منخفضة، تداعب قطرات الماء المتساقطة وجه أم حمدو التي تفاجأت بالماء المتساقط عبر شقوق في السقف؛ فتصرخ هلعة بعالي الصوت: “أبو حمدو بعدك نايم قوم شوف الملاحف تعبت مية والسقف يدلف علينا”

هلع وخوف واضطراب يلمّ بالعائلة، يستيقظ أبو حمدو مسرعاً ومنادياً: “هاتي كم سطل لبن فاضي وحطي مكان زرب المية هلأ الأولاد بصيبهم برد”

استنفر جميع أفراد الأسرة وكأن شيئاً ألم بهم لأن الأمر لا يمكن استيعابه أبداً فالمطر شديد والعاصفة قوية، مما جعلهم يهجرون النوم ودفئه في ليلة باردة لا تنسى، حتى الأولاد شاركوا أهلهم بحملة إبعاد زرب الماء، حمدو وأخته أمينة تساعدا في طي أغطية النوم، خديجة ووائل بدأا بإحضار الحطب لتشغيل المدفأة فالجو بارد ولا يستطيعون رد البرد بالأغطية لصعوبة وضعها على الأرض مخافة البلل، ولكن دونما فائدة تذكر لأن الماء النازل عمّ كافة أرجاء البيت.

إن الماء المتساقط؛ عمّ بيت هذه الأسرة البسيطة والمهجّرة من داريا، والساكنة في إدلب في بيت متصدع بالشقوق بعد قصف سابق أصاب البيت المجاور، ولم يسلم البيت الذي تسكنه هذه الأسرة من شظايا اخترقت سقفه وجدرانه.

لا تستطيع هذه الأسرة المؤلفة من سبعة أفراد النوم في الغرفة المقابلة لأنها متصدعة أكثر فلا نافذة فيها ولا باب، حتى الغرف الأخرى غير صالحة للنوم بل تهاجمها الأمطار من كل حدب وصوب.

يضحك حمدو قائلاً: “ما بيكفينا صواريخ بشار؟ وهي الطبيعة كمان ما قصرت فينا، والله البرد أكل أطراف أصابعي وبعدين على هالحالة، وأردف مقهقهاً ليلة العمر التي لا تنسى”

تضحك الأسرة والغصة تحرق أنفاس أبنائها، يحاول الأب تلطيف الجو حتى يضفي على الأسرة شيئاً من الفرح عله يبعد الكآبة عن وجوههم: “بدها صبر يا بني واشكر ربنا بعدنا عايشين رغم كل شي شفناه، واحمد ربك مانك عايش بالمخيمات…نحنا بنعمة كبيرة يا حمدو”

ترتمي الزوجة على أكتاف زوجها باكية والأسى يعصر قلبها، وعند سماع بكاء الصغير احتضنته مسرعة وتنقلت من زوايا الغرفة؛ لتمنع عن صغيرها شبح البرد والبلل.

تجمعت الأسرة حول مدفأة الحطب وهم قيام لا يستطيعون الجلوس لأن الأرض تسبح بالماء بعد عجز الأسرة عن تفادي المعضلة، شاكرين الله أنهم تحت سقف متصدع يأويهم.

كانت أسرة أم حمدو سعيدة صيفا في البيت لأنه شرح وكبير، والأهم أنّهم لا يدفعون أجرة البيت، ولكن قسوة الشتاء تزداد عليهم كمهجّرين، الأب لا يستطيع فتح محل للحلوى كما كان في داريا لعدم امتلاكه لرأس المال الكافي، وابنه الذي كان يساعده في محل الحلوى كلاهما لا يعملان ولا يملكان رأس المال لسد رمق هذه الأسرة الطيبة؛ رغم بحثهما عن عمل ولكن دون جدوى، حالياً يقتاتون مما يجود عليهم أهل الخير ومن بيع السلل الغذائية بين الفترة والأخرى.

نطقوا بالمحرمات، الحرية والعدالة وكرامة الإنسان؛ والتي كانت سببا لتهجير الأسرة إلى الشمال السوري، لا يملك رب العمل وابنه عملا يكفيهم شر السؤال والحاجة، ولا بيت يقيهم برد الشتاء ومطره، ولا انبلاج لفجر يعيد الحياة من جديد، فجر تسود به كرامة الإنسان قبل كل اعتبار.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.