وحيدة ولكن ذات كبرياء

بدأت بالمرور من بين كل حبيبين تراهما يمشيان جنباً إلى جنب، كانت تواصل المشي إلى أن تصبح وجهاً لوجه معهما، ثم تقف وتنتظر أن يفلتا أيديهما لتمر من بينهما، أو ليرفع كل منهم يده عن كتف الآخر، لعبة افتح الباب أيها البواب.

سيراي شاهينار

سيراي شاهينار
الترجمة عن التركية: نور عبدالله

“كل اليأس الذي يشعر به الإنسان مصدره واحد، وهو ألا يستطيع البقاء وحيداً صامتاً في غرفته” بليز باسكال.

استقامت ياليز من سريرها الذي كانت تنام عليه منزعجةً رافعة قدميها الملتصقتين ببعضهما إلى بطنها كالجنين، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية ظهراً، قلّبت بين الكتب، يتوجّب عليها قراءة الكثير منهم، وعليها إنجاز العديد من الواجبات.. نظرت إلى المرآة وجدت أن شعر شاربها قد نما، وأصبح لا بد من إعطاء شكلٍ لحاجبيها، لم تكن لتظل هكذا كالشاة التي لم يجزّ صوفها منذ أربعين عام، ماذا لو اضطرّت للخروج فجأةً من البيت؟ أخذت الملقط تك تك تك تخلّصت من الشعر الزائد بدقيقتين. نظرت ياليز إلى الهاتف، لم يتّصل بي أحد، هذا أفضل.. ليتهم لا يتّصلون لكيلا يقنعوها بالخروج. لديها الكثير من الأعمال لتنجزها في البيت، ليتهم لا يتّصلون، لم يكن ليتّصل بها أحدٌ أصلاً، أقرب صديقاتها كانت قد اتّخذت حبيباً جديداً، وحبيبها قد أصبح حبيبها السابق منذ مدّة، وصديقتها هذه لم تتصل منذ أسبوعين إلّا لتنقل لها أخباره، “قال لي كذا، وفعل كذا”.

لو أنها خرجت فربما التقت بحبيبها السابق، لن يظن أنّي ذهبت إلى شارع الاستقلال لأراه على الأغلب، ماذا لو أنهم التقوا في المقهى.. لماذا؟ أنا أيضاً أستطيع الذهاب إلى نفس المقهى، هم لا يطلبون جواز سفر لدخول المقهى.. لكنني لن أذهب سأقرأ كتاباً اليوم.

بعد ساعتين كانت ياليز جالسة بكامل أناقتها في المقهى، وبالتأكيد هي لم تأتِ لتراه، كانت عيناها مصوّبتين نحو باب المقهى، لستُ أنتظره بالتأكيد، أنا أنظر إلى الدّاخل والخارج من المقهى فقط. أخرجت سيجارتها، وطلبت قدّاحة من الرجل الجالس على الطاولة المحاذية، كان الرجل يقرأ في جريدته، لم ينظر إليها حتّى، في الواقع نظر، حتى أنّه قال بطرف عينيه: “قد أصبحت حيلة طلب القدّاحة بائتة” حسنٌ فهمنا.. من يأكل الخراء يحمل ملعقته معه نعم فهمنا، نسيت القدّاحة في البيت، ماذا كنت لأفعل؟ كان يجب أن تكون مغروراً لأنك وسيمٌ قليلاً؟ لا ينبغي أن آكل حقّه، إنّه وسيمٌ جداً، شابٌ أسمر، كنت قد نظرت إليه مطوّلاً، سيسيء فهمي، يا إلهي! لا تنظري إلى الباب، لا تنظري إلى الطاولة، ماذا بعد! وهذه النّادلة تراقبني مذ أتيت، لعلها تقول في سرّها: “مسكينة هذه البنت لا زالت تنتظر، جميلتي.. لابد أنّكِ نادلةٌ جديدةٌ في هذا المقهى، حتّى ما قبل شهر كنا نأتي مع حبيبنا إلى هنا، أنا فقط فتاة وحيدة، ولا موعد لديها، انظري، أحمل كتابي أيضاً.. بدأت ياليز بالنظر إلى صفحات الكتاب الذي أخرجته، لا قراءته، لكنها لم تهمل قلب الصفحة كل ثلاث دقائق.

استدارت إلى الرجل في الطاولة المجاورة وسألته عن الساعة، نظر الرّجل في ساعة الحائط وقال: “الساعة الرابعة والرّبع” قالت: “آه.. عفواً لم أنتبه إلى وجود السّاعة”، قال: “ليس مهماً”، ماذا حصل!! لم نرها، لو أنّك نظرت إلى ساعة معصمك عوضاً عن النظر إلى ساعة الحائط وكأنك تقول لي: “لم تري السّاعة الكبيرة على الحائط ولفتت انتباهك ساعة معصمي!!”، أصلاً حبيبي، أقصد حبيبي السّابق كان أوسم منك، لعنة الله عليه!

لملمت ياليز الأشياء التي بعثرتها على الطاولة، كتابها، سجائرها، هاتفها، ووضعتها في حقيبتها، قامت عن الكرسي ولبست معطفها، ذهبت إلى الصندوق ودفعت الحساب، بينما هي تجتاز باب المقهى، جاء حبيبها السابق، ومعه مجموعةٌ من الأغبياء، ومعه تلك الكلبة، تحدّثوا، “أوه هل أنت ذاهبة؟”، “نعم”، قل لي لا تذهبي أيّها الأحمق، وهذه الكلبة تنظر بطرف عينها، حتى عندما كنّا حبيبين كنت أعلم أنّ هناك شيئاً بينهما، ماذا!! “صديقتي في العمل” هل بإمكان امرأةٍ مقاومة حلاوتك يا حيوان، وهذه البنت جميلة أيضاً، إيه طبعاً إنّه ذوّاق، لم يكن ليخرج مع امرأةٍ قبيحةٍ من بعدي، هل نظر عديم الفائدة إلى الجرح فوق شفتي؟ فلينظر إلى تلك التي جاء معها، إنها أجمل مني بعشر مرّات، انظر إلى أنفها، وكأنه رُسم باليد. أوف ألم أستطع أن أجلس دقيقتين أخريين، هذا كلّه بسبب الرجل المغرور على الطاولة المجاورة، كنت استطعت أن أسمع ما يقولونه وأفهم هل هناك بينهم شيء جدّيٌ على الأقل.

المزيد للمترجمة

زكام

فرار

خرجَت من المقهى، وبدأت بالسير في شارع الاستقلال، لماذا تضحك النسوة بغباء كلّما نظرت إلى الرجل الذي بجانبها؟ وكلّهم سعداءٌ أيضاً، وكأنّ لا أحد يذهب إلى أيّ مكان في هذا الشارع، الكل يتجوّلون، وكأنّ لي وجهة أنا أيضاً! لماذا؟ هل أتيت إلى تقسيم لأجد حبيباً؟ هذا ما كان ينقصني، بدأت السير بعجلة فجأةً وكأنها تريد اللحاق بشيء ما، غاضبةً من العشّاق الذين يعرقلون السّير.

بدأت بالمرور من بين كل حبيبين تراهما يمشيان جنباً إلى جنب، كانت تواصل المشي إلى أن تصبح وجهاً لوجه معهما، ثم تقف وتنتظر أن يفلتا أيديهما لتمر من بينهما، أو ليرفع كل منهم يده عن كتف الآخر، لعبة افتح الباب أيها البواب، بعض الأزواج كان ينظرون بطرف أعينهم وكأنهم يقولون: “مرّي من جنبنا” وبعضهم لم يكن يهتم للأمر، فبعد ثلاث ثوان سيعودون ويشابكون الأيدي، مرّت بزوج كانت الفتاة تحمل باقة زهر الأقحوان، من الواضح أن حبيبها من أهداها الزهور، لفّوا حولها واجتازوها دون أن يفلتوا أيديهم، أصبحت ياليز عفريتة، كانت تعدّ الأزواج الذين فرّقتهم، كانت قد فرّقت سبعاً وخمسين زوجاً من “أودا قولة” إلى “غالاتة سراي”، هؤلاء فقط الذين استطاعت تفريقهم، كلّما زاد العدد زادت عصبيتها، وتركت العدَّ بعد الفتاة ذات زهر الأقحوان.

عندما جمّعت في ذهنها ما حدث معها، مشيتها بسرعة وكأنها تأخرت عن شيء، تظاهرها بالقراءة في المقهى، عدّها الأزواج الذين فرّقتهم، حيلة السؤال عن الساعة، وطلب القدّاحة… أدركت أنها أضحت وحيدة، وهذه الأشياء ما هي إلا أوضح إشارات الوحدة، كان قد حان الوقت لأن تعتاد على هذه الحقيقة، وتعيش ولو لفترة على أنها “فتاة وحيدة ولكنها ذات كبرياء”. ذهبت واشترت من البقّال قدّاحةً، ومن بائع الرّصيف ساعةً يد بخمس ليرات، وأعطت طريقاً لأوّل زوج مرّا بجانبها، واتجهت صوب محطّة الحافلات.


نور عبدالله، مترجمة سورية، تقيم في إسطنبول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.