وحوشٌ صغيرةٌ للبيع..بقلم: فايز العباس

أعترف أني ضعفتُ كثيراً، فقدتُ مهارتي على المناورة، والتختل، وصرت أتابع سيري متأخرا عن قطيع الذئاب. وهم أيضا فقدوا مرونة احتوائي بينهم، وبات لزاما عليّ وعليهم أن أرفع راية السلم وأنتظرَ المخلب الذي سيرسلني نحو حتفي.
ضعفتُ كثيرا، فهاتوا سكاكينكم واتبعوني، وسآخذكم جميعا إلى الهاوية، وبعدها أفتح صُرّة وحوشي، وأعرضها على بسطة العمر:
1*
لم يغادرني «الحزن» منذ أن توضّحت خطاي وخطاياي، يجثم على باب روحي باسطا ذراعيه، كما لو أنه ثامنهم، غير أنّه لفرط ألفته صار ضاريا، ولو رأيتموه لولّيتم منه مذعورين. يجيد تقليبي على الجمر منتشيا بالأنين، ويعرف مَواطن الوجع فينكأها، وينبح كما لو أنه يرى الملائكة والشياطين وهي تتعارك في الظلام.
يتفنّن في غرس أنيابه فــــي الوسائد فلا يـــترك للنوم أن يستيقظ من غفوته الطويلة حتى مطلع الشمس.
وحشٌ متمرّسٌ أعرضه لمــــن يعانـــــون من طول سباتهم؛ (ولن يفلحوا في النوم بعدها، وسيكتبون الأغاني الحزينة).
2*
لم يكن «الشِّعر» متمرّسا على سلب السعادة، كان يعبثُ بالمفردات فيلقي السلام على المتعبين، حتى تعرّف على الفقد ومن يومها وهو يجري وحيدا، يحوم حول المقابر ويشرع بالعواء. الذين كانوا ينامون على وقع تهويداته صاروا يفزعون لمجرد مروره بين البيوت. نَمتْ مخالبه كما ينمو الخرنوب في الشبابيك المهجورة. تعلّمَ من الغربان كيف يدفن الفرحة العابرة، ومن الضباع كيف يفتك في الظلام، ومن العناكب كيف يبني أبياته لاصطياد الحزن. وحش صغير أعرضه لمن يبحثون عن الخراب (وسوف يتعلمون البكاء الطويل).
*3
«الحلم» الذي لم يَكشِفْ لثامَه نما تحتَ جفنَّي كما تنمو الكمأة، ما راقبني أحدٌ قطُّ -وأنا نائمٌ- إلّا وأقسمَ أنه شاهده يتحرّك وينبضُ ويرفسُ كما يرفسُ الجنينُ بطنَ أمِّه.
تعلّمَ كيف يتخفى فلا يعرفُ الضوءُ له شكلا سوى ما يعتري عيّنيَّ مِن ترقّبِ حضوره. يجيدُ نهشَ الروح، وإفزاعَ النائمين، وما عرفَه أحدٌ إلا عيّنَ الحراسَ لمنعه، وما نجحوا. وحشٌ لا أنياب له، ولا مخالب، لكنّه يعرف كيف يلتهم ضحيّته دون ندم. أعرضه لمن يكرهون الحقيقة ويبحثون عن حلم زائفٍ؛ (خذوه وأضمن ألّا تناموا هانئين).
4*
حين ربّيته علّمتُه كيف يشتعل لينتشي باحتراق الفراشات، كحلُ الأجنحة الغضة كان ترياقَه قبل كل فراشة جديدة. حين تعلّمَ الطيران صار يصعد على أعلى أغصاني اليابسة، ويرتمي في حضن الفراغ الواسع باحثا عن الغزالات، عينان حادّتان لا يخيب رميُهما، ومخالبُ مشحوذةٌ للقنص. ولكي أمنحه شيئا من الألفة الزائفة سمّيته: «الحب». وحشٌ يجيد التشبّث بالقلب أعرضه لمن تبحث عن طائرٍ تُجمِّل به قفص صدرها الأنيق (وسيغرس أظافره في ظهرها كلما ارتعش الجسدان).
5*
تعلّمت الصّيد منذ شجرة التوت التي كانت تظلل بيتنا، كانت العصافير تستفزّ مخالب «روحي»، وكنتُ أدربها على الفتك، والغرز، والانتشاء بانسياب الأرجوان وتطايرِ الريش الخفيف في الهواء.
الآن أتذكّر تلك الشجرة التي كانت وطناً وأصوات الدوري وهي تزفّ قتلاها بعد كل مجزرة، وأتحسس مخالبي التي أوهنتها الرجولة، لكنّها ما تزال متأهبةً تنتظر لحظةً تسهو فيها هذي «الأنا» المتملّقة. وحشٌ صغيرٌ بيدين ناعمتين وابتسامة ماكرة أعرضه الآن على الملأ لعلّ زوجين لم تمنحهما الطبيعة برعما من صلبهما يقتنيانه (وسيفتك بهما حين يشبّ عن الحياة).
6*
حين قطعتُ الحدود رأيتُ «الحنين» يركض خلفي كما لو أنني طريدته التي نصب لها الشراك. انتظرته بحرقة رجل فارقته الجموع، وقلت يؤنسني كذئب الفرزدق.
تعشَّ صرخت به فتناولني، ومن يومها يخطئني الأصدقاء، يحيّونني فلا يصدر منّي سوى الأنين. أنا هو، ألوّح للبلاد فتفرّ مني وأبكي، أهاتف الأحبّةَ فيبتعدون وأبكي، أسامر ذكريات الأهل فلا تحمل منهم الصور سوى المواجع، ولا يبدر مني سوى البكاء. وحشٌ صغيرٌ يجيد إخفاء صاحبه ويظهر للعلن كأنه هو، أعرضه لمن غادرتهم ذكرياتُهم (وسوف يؤججها كأنها النار العظيمة، ويأكلهم كلَّ ليل).
*7
مجموعتي المنتقاة من العناكب تجيدُ صيدَ الفرح المؤقت، تَكْمِنُ للّحظاتِ بِشِباكٍ يظنّها العامّةُ واهيةً غير أنها لم تَخِبْ ولم تَخْبُ. ما إن أفتح ألبومَ الصور حتى تنسلَّ انسلالَ الظلامِ في الكهوف. إناثٌ لا ذكورَ يُراودونَهن على الحبِّ (الذكرُ وجبةٌ كاملةُ الحبِّ والدّسم). يطلقون عليها اسمَ «الذكريات» بينما ليستْ سوى عناكبَ رماديّةٍ تتقطّرُ منها رائحةُ الوجع. وحوشٌ صغيراتٌ أعرضُها مجتمعةً (مثل باقة ورودٍ) للباحثين عن الماضي؛ (أقسم إنها ستعيدُه لهم مُكبّلاً، ولن يسلموا من كمائنها).
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.