وجوب حماية بصمتكم الرقمية

هنرييتا فور (المديرة التنفيذية لليونيسف)

رسالة مفتوحة إلى أطفال العالم في الذكرى الثلاثين لاتفاقية حقوق الطفل.

لِمَ أنا قلقة؟

ولدت الشبكة العنكبوتية العالمية في نفس السنة التي ولدت فيها اتفاقية حقوق الطفل، أي قبل 30 عاماً. وقد أحدثت هذه الشبكة تغييراً جذريّاً في عالم اليوم، وقلبت على حد سواء تجربة الطّفولة والرّشد قلباً. ويُعتقد أن أكثر من طفل من بين كل 3 أطفال في العالم يستخدم الإنترنت على نحو منتظم، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة باستمرار كلما كبُر هذا الجيل.

وقد أضحت النقاشات حول فوائد وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال ومخاطرها عليهم أمراً مألوفاً، وثمة حاجة أكيدة لاتخاذ مزيد من الإجراءات لحماية الأطفال من التنمّر والتعرض للمحتوى الضار.

وأصبح الأهل والأطفال أيضاً مدركين لمخاطر إذاعةِ المعلومات الشخصية بشكل زائد عن الحد على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن في الحقيقة، لا تمثل البيانات التي تحويها الحسابات التي أنشأها الأطفال في وسائل التواصل الاجتماعي سوى جزءاً يسيراً من مشكلة البيانات.

أما الأمر المفهوم بدرجة أقل وإن كان على نفس القدر من الأهمية فهو التكديس الهائل للبيانات التي يجري جمعها عن الأطفال. فبينما يمضي الأطفال في ممارسة حياتهم اليومية على الإنترنت متصفّحين لمواقع التواصل الاجتماعي ومستخدمين لمحركات البحث ومنصات التجارة الإلكترونية والمنصات الحكومية ولاعبين بالألعاب ومنزلين للتطبيقات ومستعملينَ لخدمات الخرائط الجغرافيّة على الهاتف المحمول، يجري تكديس بصمة رقمية مكونة من آلاف المعلومات عنهم. بل إنّ بعض هذه البيانات يتم جمعها قبل مولد الأطفال وقطعاً قبل أن يصبح الأطفال قادرين على التّمييز للموافقة على جمعها واستخدامها.

إذ أنّ بوسع ما يسمى بعصر “البيانات الضّخمة” أن يُحدث تحولاً ـ نحو الأفضل ـ في تقديم الخدمات الفعالة وسريعة الاستجابة والمفصّلة حسب الطلب للأطفال، لكن من شأنه أيضاً أن يؤثّر سلباً على سلامتهم وخصوصيتهم واستقلاليتهم وخياراتهم المستقبلية.

كيف لا والإمكانية واردة لإذاعةِ المعلومات الشخصية التي أنشئت في مرحلة الطفولة مع أطراف ثالثة أو مبادلتها لتحقيق الربح أو استعمالها لاستغلال اليافعين، وخصوصاً الأكثر ضعفاً وتهميشاً.

وفي هذه الأثناء، يستغل لصوص الهويّات وقراصنة الفضاء الرقمي ثغرات منصات التجارة الإلكترونية للاحتيال على البالغين والأطفال لسلب أموالهم واستغلالهم على حد سواء؛ وتَتَبَّعُ محركات البحث سلوك المستخدمين بصرف النظر عن أعمارهم؛ وتزداد قدرة الحكومات حول العالم على مراقبة النشاط على الشبكة تطوراً على نحو مستمر.

علاوة على ذلك، فقد ينعكس تأثير البيانات التي تم جمعها أثناء مرحلة الطفولة على فرص الطفل المستقبلية، من قبيل الحصول على التمويل والتعليم والتأمين والرعاية الصحية. ولما كانت العلاقة بين جمع البيانات واستخدامها والموافقة على جمعها والخصوصية معقدة أصلا حتّى على الكبار، فإن حجم هذا التعقيد سيتضاعف عندما يتعلق الأمر بالأطفال، ذلك أن الذين صمموا الإنترنت لم يضعوا في حسبانهم حقوق الأطفال واحتياجاتهم عندما قاموا بتصميمها، ناهيك عن أن المؤهلين لاستكشاف التعقيدات المتعلقة بإذاعة البيانات وضبط الخصوصية هم قلة من الناس.

وفي أغلب الأحيان، لا يكون لدى الأطفال علم بالحقوق التي يتمتعون بها بشأن البيانات الخاصة بهم ولا يفهمون المضاعفات التي قد تنشأ عن استعمال هذه البيانات ولا يدركون إلى مدى قد تجعلهم عرضةً للضرر. فإذا كان أغلب الكبار ممن هم على درجة عالية من التعليم بالكاد قادرين على فهم الشروط والأحكام المتعلقة بالخصوصية في منصات التواصل الاجتماعي، فما بالك بالأطفال؟ وعلى سبيل المثال، أظهر تحليل نشرته صحيفة النيويورك تايمز أن كثيراً من سياسات الخصوصية في مواقع التواصل الاجتماعي يتطلب مستوى استيعاب يتخطى مستوى استيعاب الطالب الجامعي؛ بمعنى أن الكثير من المستخدمين، وخصوصاً صغار السن منهم، قد يوافقون على أشياء لا يفقهونها تماماً.

لماذا هناك أمل؟

نقف جميعا اليوم أمام تحدٍ يتمثل في ضمان مُعاظمةِ النظم التي نبتكرها من الفوائد الإيجابية للبيانات الضخمة والذكاء الصناعي مع الحفاظ على الخصوصية، عن طريق توفير وسائل الحماية من الأذى وتمكين الأشخاص ـ بمن فيهم الأطفال ـ من ممارسة حقوقهم. وقد بدأنا نلحظ إجراءات على هذا الصعيد منها: قيام الحكومات بتعزيز الأطر الناظمة؛ وإدراك المزودين من القطاع الخاص للمسؤوليّة التي تقع على كاهلهم في هذا الصّدد، وتفكير المعلّمين في كيفية تزويد الأطفال بالأدوات التي تمكّنهم من التجول في عالم الإنترنت بأمان. وما كلّ ذلك سوى البداية.

تنصّ اتفاقية حقوق الطفل بوضوح على أن للأطفال حقّاً منصوصاً بالتمتع بالخصوصية، وما من سبب يدعو إلى عدم سحب ذلك الحقّ على شبكة الإنترنت.

وعند وضع حق الطفل في التمتع بالخصوصية في سياق النطاق الكامل لحقوقه الأخرى ومصلحته العليا وتطور قدراته، سيتجلى لنا الفرق بين خصوصية الأطفال وخصوصية الكبار من حيث النطاق والتطبيق، لذا فثمة حجة قوية بوجوب توفير حماية أشد صرامة لخصوصية الأطفال.

إذ يجب أن تُتاح للأطفال، كلما استعملوا مواقع التواصل الاجتماعي، إمكانية حقيقية للاختيار بين المشاركة من عدمها فيما يتعلق بكيفية استخدام بياناتهم من قبل المزودين أو المصالح التجارية الأخرى، ويجب أن تكون الشروط والأحكام ذات الصلة واضحة ومفهومة للأطفال.

وكما اقترح بعض الأطفال، فلربّما يلزم سحب ذلك على إمكانية حذف الحسابات الماضية على منصّة التواصل الاجتماعي. وفي الحالات التي يتم فيها جمع بيانات عن الأطفال عن طريق تتبع سلوكهم على الشبكة، فإن وجود سياسات خصوصية واضحة وشفافة وسهلة المنال لذو أهمية حاسمة في جعل الأطفال أقدر على إعطاء موافقة واعية فضلاً عن فهم حقوقهم ومعرفة الغاية من استخدام البيانات التي يتم جمعها. لذلك أضحى تجهيز اليافعين بالمعرفة والمهارات اللازمة لكي يتمتعوا بحقوقهم الرقمية أمراً أساسياً.

ويضطلع مزودو خدمة الإنترنت في القطاع الخاص ومنصات التواصل الاجتماعي دوراً رئيسيّاً في تعزيز حماية الأطفال، ويتوجب عليهم صياغة معايير أخلاقية وشفافة وتطبيق إجراءات تدقيق وحماية مشددة فيما يتعلق بنطاق البيانات الخاصة بالأطفال بأكمله، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بموقع الطفل وعاداته في تصفح المواقع وبصفة خاصة ما يتعلق منها بالمعلومات الشخصية.

كما تمثل بعض الأطر الناظمة الجديدة محاولة واعدة بتحقيق التقدم، ومنها النظام الأوروبي لحماية البيانات العامة الذي ينص على أن لمستخدمي الإنترنت، بمن فيهم الأطفال، الحق بأن يتم تزويدهم بإشعار خصوصيّة شفاف وواضح يشرح الطريقة التي ستتمّ بواسطتها معالجة بياناتهم وينبئهم بإمكانية حصولهم على نسخة من بياناتهم الشخصية وتصحيح أية أخطاء في المعلومات عنهم.

وقد أطلقت الأمم المتحدة مبادرة تدعى “النبض العالمي” تهدف إلى استكشاف الطريقة التي يمكن من خلالها لمصادر البيانات الرقمية الجديدة وتقنيات التحليل المنطقي اللّحظيّ المساعدة على فهم التغيرات على صعيد عافية الإنسان والثغرات الناشئة عن ذلك بشكل أفضل، مع إمكانية دعم التنمية. وقد استطاعت مبادرة “النبض العالمي”، عن طريق الاستجابة للمخاوف المشروعة بشأن الخصوصية وحماية البيانات، ومن خلال التشاور مع خبراء الخصوصية، أن تطور مجموعة من مبادئ الخصوصية تضمن الشفافية فيما يتعلق بالغرض من استخدام البيانات، وحماية خصوصية الفرد، والإقرار بضرورة الحصول على الموافقة المناسبة على استخدام البيانات الشخصية، واحترام القدر المعقول من الخصوصية، إلى جانب بذل كل جهد معقول للحيلولة دون حدوث عمليات غير قانونية وغير مبررة للتلاعب ببيانات تعريف الأشخاص.

مصدر اليونيسيف
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.