وامتشق تنكة فارغة … بقلم- عقاب يحيى

وامتشق تنكة فارغة ..
كانت الحافلة قديمة.. مهرهرة بفعل الزمن وتقادمه.. وحتّه، وكان معظم ركابها يشبهونها..
في محطة فجائية صعد ممتشق لأناقة بدت مصطنعة.. يبرز فيها غلاء اللباس بينما الفشكلة واضحة..
نظر ملياً في الركاب.. بشيء من تعال، واستهتار… وكأنه يمتحنهم، ويريد أن يشعرهم بوجوده المهاب..
الحافلة تئن، وتسلك زواريباً جانبية تحاشيا للازدحام والاصطكاك.. وخوفاً منها عليها من السقوط ضحية الأحدث..فكانت مضطرة للبطء سيراً، خاصة في المنعرجات التي بدت كثيرة لصاحبنا.. حين اخذ التبرّم يضجّ فيه، وهو يبلع لسانه محاولاً الإفصاح عن هوية مختلفة.. وعن قامة كبيرة اضطرتها الظروف لركوب هكذا “قرقوعة”، جربانة..
بإصراره على الوقوف في مقدمة الحافلة .. راح يلقي بالتعليمات الآمرة على السائق الكهل.. الذي غطست شواربه في فمه.. فاضطر لرفع شعيرات بيضاء تدخل فمه عنوة.. ثم تخرج مبللة بلعاب مدمن..
كانت” التعليمات متواترة، ومتصاعدة : أسرع. غلى اليمين. اليسار.. توقف.. استخدم الكوابح.. وغير ذلك من أوامر تعلمية تنمّ على ان صاحبنا من مرتبة السائقين المهرة.. ولعله يكون سائقاً فعلاً، أو يعمل لدى مسؤول ما.. حيث برزت على جانبه كتلة ضخمة.. هي ولا شك.. دليل التسلط.. ويمكن أن تكون رشاشاً حديثاَ، وليس مجرد مسدس عادي.. وبما يعطيه مهابة أكبر تصل حدود التخويف، وفرض” الأمر الواقع” بقوة الصوت المنبرش..
ـ ولما تتالت الأوامر والتعليمات راح السائق يلعب بشاربيه بطريقة آلية، وينسى أحياناً مقود السيارة، ثم ينتبه وقد صارت الحافلة على مرمى شبر من الجدران..فيلتقطه بقوة، ثم يعود للتفتيل بحركة عصبية… وصلت غلى تمرد فجائي.. لم يخطر بباله يوماً.. فقد حرن.. وابى أن يمشي متراً واحداً.. حتى أنه أطرق راسه فيما يشبه الإغفاءة… ولعله كان قد حزم أمره بقرار راسخ : الموت ولا المذلة.. وليكن ما يكون.. لدرجة انه لم يتجرأ النظر بوجه صاحبنا خوفاً من الذعر والتردد، والتراجع…
صرخ بعض الحضور الجريء : طالما ان سيادتك معلم سياقة.. فلمَ لا تقود الحافلة ..؟..
ـ تبلبل صاحبنا وانخفض صوته.. وبانت تأتأة فيه.. فتجرأ عدة ركاب يدفشونه نحو المقعد…ويجلسونه مرغماً عليه.. وقد انتشوا بانتصارهم على ذواتهم.. وعلى خوف ابدي فيهم.. وأمسكوا يديه ووضعوها على المقود..
ـ همهم صاحبنا بعد أن شمّر عن ساعديه.. وابعد عددا من قلادات ذهب معجوقة فوق بعضها.. وراح يلهث.. وقد راح عرق غزير يتهاطل من جبهته التي حزّها ” الإيمان” الصارخ بالمبادئ.؟..وثقل المسؤولية.. وربما ثقل السلاح.. ووقع الضمير.. لا ندري..
وحين تأكد الجمع من الركاب أنه نصاب ومحتال.. ومزيف.. راحوا يفتشونه ليكتشفوا أن تلك الكتلة البارزة.. مجرد تنكة فارغة لعلبة كازوز.. وأن صاحبنا طبل أجوف.. فانهالوا عليه رفساً.. وسباباً من كل الأنواع.. وكأنهم يعوضون بذلك خزين القرون..
لكنهم فوجئوا وهو يصرخ بصوت مختنق : معارض أنا.. والله.. معارض متخف…
عقاب يحيى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.