واشنطن: نحو “تفكيك النفوذ الإيراني”

الأيام السورية؛ فرات الشامي

“تفكيك النفوذ الإيراني”، عنوان المرحلة المقبلة من حلقات صراع النفوذ والاستحواذ على منطقة “الشرق الأوسط”، بعد أن بلغت ذروتها على المسرح “السوري” ومن قبله “العراقي”، لا سيما مع دخول الإدارة الأمريكية الجديدة “الحلبة”، وهي مدركةٌ تماماً أنّ عملاً بهذا الحجم يحتاج إلى تكتيكات غير عادية، وتحالفات نوعية في المنطقة.

تشير تحركات “واشنطن” في عهد “أوباما” الخاصة بـ”طهران” أنها كانت “احتوائية” وفي بعض مراحلها غلب عليها الطابع الدفاعي، فيما يبدو وجود تبدلات في تلك السياسة تضع على طاولة البحث فرضية انتهاء دور “البيدق الإيراني”، مع احتمالية بارزة لإشغال المنطقة بدايةً بصراع “مذهبي”، يخرج الجميع منه منهكاً، غارقاً في بركةٍ من الدماء، لتضع “الولايات المتحدة” لمساتها الدافئة وتخرج الحلقة الأخيرة كالعادة.

لا يخفى على الجانب “الإيراني” محاولة عزلها تلك، بل من البديهيات أن حكومة “طهران” سوف تحاول المراوغة، ولديها من الخبرة والحنكة السياسية والعسكرية ما يكفي لتجنب خروجها من “الملعب خاسرة”، على الأقل بنسبة “خسارة مقبولة” تحفظ ماء الوجه.

إدراك “طهران” مبكراً طبيعة دورها في الصراع، دفعها لصناعة وتطوير بنية “أمنية – عسكرية” متكاملة، مع مرونة في التعامل مع التبدلات السياسية اتجاهها؛ عبر أساليب وبدائل وطرق متنوعة لمواجهة “الطوارئ النازلة”. بدايةً من إغراق الساحتين “العراقية والسورية” بميليشيات موالية لها، وصولاً إلى إنشاء مصانع للصواريخ الإيرانية على الأرض السورية، في “حلب” على سبيل المثال، حين أعلن في الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 20011 رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية محمد باقري، عن انتقال صناعة الصواريخ الإيرانية إلى “حلب”.

يضاف لما سبق وجود قناعة لدى “واشنطن” و”طهران” أنّ مثل هذه الحرب لا يكتفى فيها بإغلاق طرق إمداد لوجستية برية على الحدود “العراقية – السورية”، مع أهمية هكذا خطوة، لكن الاكتفاء بخطوة كهذه يضعفه عدم قابلية “الإغلاق” إلى ما لانهاية. ولا يمكن بالتالي حصر التفكير بتفكيك “نفوذ طهران” بإجراءات لا تأخذ بالحسبان قوة “المشروع الإيراني” في المنطقة. كما أنّ تعاطي “الأمريكان” مع “الذهنية الإيرانية” عبر “التجربة العراقية”، واختبار أساليبها أمرٌ يقدره بالضرورة صانعوا الاستراتيجية الأمريكية، ينبغي التفطن له. ومن الطبيعي أنّ صنّاع القرار العسكري في الجانب “الأمريكي” لم يفتهم وجود تلك “المعطيات”، ولا يمكنهم إغفال دور “العامل الروسي” الذي ينسق بتناغمٍ مقبول مع “طهران” فيما يتعلق بالملف السوري. ما يستدعي التفكير بطرق مختلفة للعمل على تعطيل وتفكيك نفوذ إيران في عموم المنطقة.

عملياً، لا يمكن الجزم بوجود خطة استراتيجية واضحة لدى الجانب “الأمريكي”، لهذا السبب لم نسمع تصريحات بهذا الشأن من طرف إدارة “ترامب”؛ لكنّ هذا النوع من الحروب تبدو ملامحه مكونة من شقين رئيسيين:

  • فالشق الأول: ضربات عسكرية صغيرة لكنها نوعية، من بينها ضرب الميليشيات الإيرانية في البادية السورية، وكذلك الضربة التي وجهتها “إسرائيل” مستهدفةً أحد خطوط الإمداد اللوجستي “مطار دمشق الدولي”، ويمكن الإشارة هنا أيضاً إلى ارتفاع الحديث عن قيام “واشنطن” بتجهيز قوات “محلية رديفة” سوف تلقي على كاهلها دور العمل العسكري والسيطرة على الأرض.

الخطوات السابقة لا تزال عملياً في طور الاختبار، فالمواجهة هذه المرة مع طرفٍ يمتلك قدماً راسخة في المنطقة وشعبية مذهبية لا يمكن الاستهانة بها، لا سيما وأنها تشكلت عبر فترة زمنية طويلة، ومن الضروري التفاهم والتنسيق مع الحلفاء الذين تحتمل الإدارة الأمريكية وقوفهم في معسكرها.

  • أما الشق الثاني، فيتمثل بعملية فصل “موسكو” عن “طهران”. حيث تسعى “واشنطن” لإثارة تساؤل حول “مبرر الوجود الإيراني” في “سورية”، وفصله عن “قضية الحرب على الإرهاب”. وبالرغم من احتمالية تعثرها، لكن خطوات “واشنطن” في هذا الاتجاه تبدو قوية لأسباب من بينها:
  1. الوجود الإيراني يتمثل على الأرض بميليشيات مذهبية موالية له.
  2. لا يمكن لـ”موسكو” تبرير دفاعها عن ميليشيات في ضوء توجّه دولي يدعو إلى استعادة “الدول” سيادة صنع قرار الحرب والسلم في المنطقة.

المعادلة التي تواجهها “روسيا” صعبة، فهي حتى اليوم لا تزال متمسكة بـ”إيران”، وتبدي عملياً مراوغة تدّعي فيها عدم الرغبة في التخلي عن حليفها، ريثما تحصل على مزيد من “المكاسب”، بعد أن بدا عدم قدرتها على تحمل التكلفة لوحدها في سورية.

بيد أنّ عرض “واشنطن” المسألة في سياق الحفاظ على أمن “إسرائيل” و”دول الخليج” يضع “موسكو” في موقفٍ محرج، طبعاً “قضية القضاء على «داعش» حاضرة ضمن هذا الإطار، وهي مبرر العمل المشترك وجذب الجميع للانخراط في شراكة عسكرية تقودها “الولايات المتحدة الأمريكية”، وهذا يستلزم وجوباً تفكيك الوجود الإيراني وتقليم أظافر ميليشياته.

إنّ نجاح “واشنطن” في “تفكيك النفوذ الإيراني”، يعتمد على نقطتين: الجدية والاستمرارية في العمل على إخراج “طهران” وإبعادها عن المنطقة، ما يضمن انخراط حلفاء “أمريكا” في مثل هذا العمل للخلاص من “فزاعة المشروع الفارسي” في المنطقة الذي بات يشكل خطراً كبيراً على “دول الخليج” في المقام الأول.

إضافةً لكونه وجود مرفوض من “إسرائيل”، ما يكسب التحرك العسكري بهذا الاتجاه قوة وشرعية.

الموقف “الإسرائيلي” الرافض للوجود “الإيراني” قريباً من حدودها تتحدث عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية في موقعها الإلكتروني، نهاية شهر نيسان/ إبريل الماضي، حيث ذكرت أن وزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” اقترح خلال زيارته للولايات المتحدة أن تقوم إدارة الرئيس “دونالد ترامب” بصياغة وثيقة تفاهم من خمس نقاط بين الولايات المتحدة وإسرائيل لإزالة النفوذ الإيراني من سوريا.

“طبول الحرب” على “النفوذ الإيراني” لتفكيكه، لن يكون بالنسبة للسوريين حلاً كاملاً لقضيتهم، لكنه في حال استخدمته “المعارضة” لصالح “الثورة، ومطالب الشعب السوري”، قد يعني بداية لمرحلة جديدة في سورية، والمشهد اليوم تسيطر عليه حالة “التوتر والترقب”.

إن سياسة “النزيف والاستنزاف” ضمن حرب طائفية في المنطقة بدأها أوباما، ويحاول “ترامب” الاستمرار بها مضيفاً عليها معادلة جديدة: “حلف إسرائيلي -عربي” سرّي غير معلن.

 

المصادر:

المرصد السوري لحقوق الإنسان: إيران تعلن رسميًا امتلاك مصنع للصواريخ في حلب.

صحيفة العرب: وثيقة تفاهم إسرائيلية أميركية لإنهاء نفوذ إيران في سوريا

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.