واثق الخطوة.. “يمشي” يطلع بره البلد!

أحمد عاشور
هذا القرن هو قرن اللجوء والهجرة والنزوح أولاً.. ثم تأتي كل الأوصاف لاحقاً.. ولا عزيز على الهجرة من العامل للوزير.. من اليمن إلى ليبيا ثم العراق وسورية وحديثا بعض الخليج.. و.. و.. وآيات السعي وأشعار السفر تلقى استحسان الجميع اليوم وبات الوصول لكنف العدل “الكافر” هو الحلم العربي الوحيد الذي يتفق عليه كل العرب!.
الحقيقة التي نهرب منها أننا كلنا مشروع مهاجر “غير شرعي” من “العالم السفلي” العربي إلى عوالم أفضل.. بعضنا يهاجر بالعلم أو المال أو الأقارب أو حتى بالإنترنت.. نجاة بنفسه وعقله وآدميته وصولاً لمراكب الموت.. الكل وطني حتى النخاع والكل يريد النجاة من الوطن.. حتى الموت!.”كلنا مهاجرون” سواء عبر مطار فخم أو بمركب يشق البحر.. بأوراق رسمية أو بدون.. باحتقار أو بدون.. كلنا نتحايل للحصول على حال معيشي أكرم..

لا أنسى حين قابلت أحد الناجين من البحر في إيطاليا لاحقا بابنه الصغير والذي أرسله قبله بأشهر فسألته:

-كيف تثق أن ترسل ابنك لأوروبا في قارب تاجر بشر؟
-قال: ثقتي بالموت أكبر من ثقتي بالوطن!من المزعج المهم أن نناقش تفاصيل الرعب السوري وهو يأخذ كل أشكال البؤس والوجع ليكمل دورة الألم حول الأرض، ولكن انسانيتنا تحتم علينا أن لا نستسلم لليأس ونغير ما يمكننا تغييره ونساعد أنفسنا قبل أن نساعدهم بالالتفات لمهرجان الموت الممتد إلى ما لا نهاية.

يبدو أن موضوع المهاجرين السوريين الذين قضوا في شاحنة في النمسا سيفتح باب التحقيق في “تجارة الأعضاء البشرية”.. اعتقد ان من وضعوا في الشاحنة وضعوا جثثاً.

شهدت العشرات من القصص المشابهة في “صقلية” حول اختفاء مجموعات بأكملها في البحر لتظهر صور جثثهم لاحقاً في الشاطئ الآخر منقولة بعناية في أحد المستوصفات.. ووجدت الكثير من الأسئلة التي لا إجابات سهلة لها، إلا أن الجواب الواضح.. أن هناك استغلالاً ادمياً رهيباً يجري بين الشاطئين، والمستفيدون لم يشبعوا حتى اللحظة بل يزداد جوعهم.

المستفيدون من مآسينا كُثر وقصة أنهم ماتوا خنقاً مريحة للجميع إلا أنها بتسلسل صورها وأحداثها غير منطقية أبداً.. وننتظرمجريات التحقيق الأوروبي..

وحيث إن العالم عجز عن ايقاف القتل في سورية فلنتوقع مزيداً من اللجوء.. وعليه فإنه على الحكيمة العجوز أوروبا أن تتعامل مع الواقع.. ليس المطلوب من أوروبا المزيد من الخيام أو الطعام، المطلوب منها هو:
-ايجاد معبر آمن لهؤلاء “اللاجئين” وعدم تركهم لتجار البشر والمهربين.
-التنسيق بين بلدانها في استقبال اللاجئين وتوزيعهم بحسب احتياجاتها.

مع قناعتي التامة أن العالم يستطيع أن يقف وقفة جدية لايقاف مهزلة التهريب الغير آدمي للبشر، ولكني بت أرى أنهم لا يريدون إيقافها، ويتركون زمام الأمور للعصابات التي أحيت تجارة البشر وجعلتها في تنامٍ مستمر.. وعلى ضفتي الشاطئ هناك مستفيدون من هذا اللاجئ حياً كان أو ميتاً.

غريب أمر الاتحاد الأوروبي.. تكشف دول الشمال فيه عن ساقها الحضاري فتغري الاف الهاربين المحتاجين للأمن من جحيم بلادهم إلى جنتها الموعودة وكأنها تدعو الناجين من الموت منهم فقط. اذا اراد العالم التحرك والتحقيق والحزم سيكون هناك متورطون أوروبيون مع مافيات تجارة البشر والأعضاء..

ليس المهرب وحده من يتحمل مسؤولية التهريب بل الجميع من حكومات وأمم متحدة.
أما عن دور العرب فلا شيء يلزمهم بعد أن حكمتهم المصلحة. يختبئ كل منهم خلف حدوده يرجو الأمان، ولا يعول عليهم السوري كثيرا فقد قضى بداية ثورته يدعو وينادي ويستنجد بلا فائدة بين عجز وصمت ودعم بالسر لطرف دون طرف، وما هجرة السوري الا هربا من خذلان العرب.

بلادنا يحميها لصوصها.. ويحبها أعداؤنا.. أما نحن فقد نركب الموت نفسه بحثاً عن أي “وطن”.. أي وطن بعيد عنهم!

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.