هيئة تحرير الشام بين التعقّل والانتحار

قاتلت هيئة تحرير الشام عدة فصائل بتهمة تحالفها مع تركيا، كيف سقطت اليوم في الفخ نفسه، وكيف ستعلّل ذلك أمام عناصرها والرأي العام؟

الأيام السورية؛ حليم العربي

وجد السوريون أنفسهم بعد ستة أعوام من ثورتهم أمام عدة خيارات قاسية، فرضتها مجموعة التحالفات الأخيرة بين الدول الضامنة لخفض التصعيد، وكان لزاماً عليهم التفكير بطريقة أخرى ووضع جميع أحلامهم السابقة في سلة وتعليقها جانباً؛ لأن الأمور لا تجري بصالحهم.

شهدت محافظة إدلب في الشمال السوري تحوّلات جذرية  نتيجة لتناوب السيطرة عليها من قبل مختلف الفصائل وتناحرها، لتتحوّل المحافظة المحررة الوحيدة من براثن الأسد إلى معضلة يصعب فكها بعد إضافتها لمناطق خفض التصعيد مؤخراً.

ساهمت عدة عوامل في تشكيل هذه المنطقة المناهضة للأسد المتاخمة للحدود التركية، دعمت ثباتها لتبقى خارج سيطرة الميليشيات الشيعية المقاتلة إلى جانب عصابات النظام، وأهمّ هذه العوامل:

– المعابر التركية المدنية المفتوحة مثل “باب الهوى” المعبر الإنساني والإغاثي الوحيد، إضافة للمعابر العسكرية التي تزوّد فصائل المعارضة من خلالها بالعتاد والسلاح لتثبت في وجوه أعداء الثورة المحيطة بها من كلّ جانب.

– احتواء المنطقة على أشدّ الفصائل مقاومة لنظام الأسد مع مجموعات مختلفة من السياسيين والناشطين في مجالات الإغاثة والإدارة والإعلام وغيرها.

التهجير القسري للمعارضين  والرافضين لأي تسوية مع الأسد وعصابته، لجأوا إليها لأنها الخيار الوحيد أمامهم للبقاء أحياء.

تممت تلك العوامل الصمود الأسطوري لتلك المنطقة في وجه عصابات الأسد والدول المجرمة المساندة له مثل روسيا وإيران كما حدّت من توسع ميليشيات قسد الكردية وتهجيرها للسنة العرب من مناطق سيطرتها.

جاءت بعدها سيطرة هيئة تحرير الشام على المنطقة بعد طردها لحركة أحرار الشام وفصائل الجيش الحر منها، ووجّهت لخصومها عدة تهم على رأسها التعامل مع تركيا، عمدت الهيئة لتفكيك ومحاربة منافسيها تدريجياً  إثر حضور ممثليهم مؤتمرات مثل آستانا أو الرياض، أو اتهمت بعضهم بقبولهم الحل السياسي؛ الذي يضيّع ثمرة الجهاد الشامي وتضحيات الشعب السوري وفق زعمها، لكن لم تمض أشهر قليلة على قتالها لحركة أحرار الشام حتى بدأت الأرتال التركية تعبر الحدود بحماية الهيئة ذاتها بعد يوم واحد من بيان التصعيد الذي أصدرته جهاتها الإعلامية التي تدعو عناصرها للتصدي ومقاومة الاحتلال التركي.

هذا التناقض المريب بين القول والعمل أربك العناصر التابعة لها والأقلام المدافعة عنها؛ التي انقلبت على نفسها ورأت في تصرف قيادة الهيئة عملاً حكيماً تشكر عليه بعد أن كان خيانة يجب قتال من يقول به.

شنّت المعرفات المعادية للهيئة حملات من السخرية بحق المعرفات المتناقضة، وقارنت بين تصريحاتهم السابقة واللاحقة ليقع العناصر المقلدة التابعة لها فريسة الشك والريبة، جعلها تحجم عن التقليد الأعمى وكمّ الأفواه المدافعة عنها، وتحوّلت في نظر الكثيرين إلى فصيل ككل الفصائل التي قاتلتها، وخاصة بعد فشل معركة حماة التي استنفر الطيران الروسي فيها، ونجاح معركة أبو دالي التي غاب عنها مما أدّى لخلافات في الأوساط القيادية والشرعية لهيئة تحرير الشام، وانقسمت بين أصوات تطالب بقتال الأتراك، بوصفهم أعداء “المشروع الجهادي” في سوريا. وأصوات ترفض هذا الخيار، مذكرةً بأنّ الرأي العام المحلي والشعبي في إدلب، يفضّل سيناريوهات التوافق الذي سيؤدي إلى وقف القصف والقتال.

تبيّن فيما بعد أنّ الكفة الثانية رجحت وغلبت صوت الشارع الشعبي في إدلب، ممّا أدّى لدخول عدة أرتال تركية برفقة هيئة تحرير الشام، وصمتَ أصحاب الخيار الأول لينتظروا الخطوة الثانية من التدخل التركي.

مصدر تويتر
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.