هوامش من دفتر الثورة

التصحر الفكري وغياب الوعي السياسي والعمل المؤسساتي التشاركي وغياب النقد البناء والمعارضة اللازمة، إضافة للفكر الجمعي كلها من نتائج الاستبداد والعقبة الكبرى لمرحلة البناء الثوري.

الأيام السورية؛ عمار جلو

لم يكن خبراً مألوفاً تنقله القنوات الناطقة بالعربية، فرار الرئيس التونسي الأسبق “زين العابدين بن علي” من قصر قرطاج بالعاصمة تونس. تبعه بعد برهةٍ من الشهور إعلان نائب الرئيس المصري الأسبق “عمر سليمان” تنحي الرئيس “محمد حسني مبارك” عن منصبه.

إذاً فالأمر حقيقة وليس حلماً أو مصادفة فقد انتهت الإقامةُ الدائمة في القصورِ الرئاسية، وطَوَتْ معها مهازلَ الانتخاباتِ المزيفة ومسارحَ تجديدِ البيعة الأبدية. من تونس العاصمة انطلق قطارُ التغيير تحركه طاقةُ الشعب الذي استردَّ حقَّه واستعادَ دوره في إحداث التغيير، ولن يطول الزمن حتى يصلَ المحطةَ الشامية حسْبَ مؤشر دومينو.

لا أدري أيهما أنجع في كَمِّ الأفواه وطأطأة الرؤوس، الأذرع الأمنية للسلطة، التي لم أمتلك تجربةً سابقة معها، أم الإنفلونزا المصطلح عليها شعبياً “بالكريب” التي أحكمت قيودها عليَّ في ذلك اليوم ١٥/٣/٢٠١١ دون أن تطرق باباً مع الفجر كعادةِ الأفرع الأمنية.

أي إيديولوجيا تلك التي وحدَتْ رأسي والوسادةَ لدرجةٍ يتوجب فيها تمزيقُ إحداهما للتفريق بينهما، كذلك لم يحمل كاتمُ الصوت المركبُ على فمي أي دمغةٍ تُشير لبلد المنشأ إلا أنه يُضاهي المنتجات الألمانية في فعاليتها، أما الحمى التي تغلغلت في جسدي تغلغل السُم في الشرايين فحدّث ولا حرج، جسدٌ يغلي كوعاء الضغط على نار متّقدة وفكرٌ يترنح يمنةً ويسرةً على وقع خبطاتها وهو ما اعتدته منها طيلة هجماتها السابقة، إلا أن سخريتها ذلك اليوم كانت خلافَ العادة وفوق الاحتمال. نزل السوريون إلى ثورتهم إلا أنت. من يصدق سردية المرض هذه اليوم؛ فلان يبحث عنك في وجوه المتظاهرين لما عهد منك من طول اللسان في أحاديث السياسة التي كانت تجري همساً، أنت منافق، هذا ما سينعتك به. لا لا، لن يستطيع تفحص وجوه السوريين جميعاً، بلى وسيصفك بالمنافق. فلان يسأل عنك الآن فهو يعرف موقفك من السلطة القابضة على دمشق إنه يسأل عنك ولن يشهد أحدٌ على حضورك.

إذاً أنت كاذب، يُحاول محبك فلان أن يبرر لك ويا له من غبيٍ لم يستطع أن يجد لك مبرراً سوى الخوف، يقول إنك لم تستطع حلَّ عقد الخوف التي عقدتها السلطة في عصب المجتمع، ولكنك ستحلها غداً أو بعد غد. لكن الخوف قد ولى زمانه، هذا ما يردده الحاضرون إذاً أنت منافق، أنت كاذب، أنت خائف، واذرف من الدموع ما شئت فما أنت بمرحومٍ عندي. هذا ما تقوله زائرتي.

آه يا رأسي آه، أتُراني أطلب منك المستحيل أن ترتفع عن هذه الوسادة اللعينة قبل نهاية اليوم أم أنك كعهدي بك، لا نفع لك سوى المناطحة كالتيوس.

أخيراً تلحلح هذا الصندوق المتربع بين كتفي وبمزيجٍ من الصوت والإشارة تم تفّهم طلبي بإشعال التلفاز على قناة الجزيرة، ويا لها من مفاجئة غير سارّة، فقد تم إسقاط كل التهم الموجهة ضدي، فالسماء صافية والعصافير تزقزق ولا وجود لتلك المجاميع المتظاهرة ضد السلطة.

كم أنا ساذج وغبي حين انسقت وراء حمتي، ومدى تغلغل السلطة في المجتمع والدولة يعلمه الجميع لدرجة غياب صورة الدولة بدون هذه السلطة مما سيجعلك ترى ضحايا هذه السلطة في مقدمة المدافعين عنها لو قُدّر لثورتك المزعومة أن تنطلق، ويبدو أنها انطلقت فعلاً، فذيل الشريط الإخباري يذكر تظاهرة أمام وزارة الداخلية من قبل شخصيات تنتمي إلى المجتمع المدني السوري. نعم إنها الثورة ولا شيء سواه إذ أن ولادتها تشبه الولادة الطبيعية وهذه إحدى وخزاتها، كما جرى في الحريقة مصادفة أو ما جرى مواعدة في الخامس من شباط في شارع الصالحية ولن يطول الوقت حتى يصرخ المولود الثوري صرخته المعلنة لولادته حياً.

يا للمفارقة فقد جاءت الصرخة من طلائع البعث التي ظن البعث أنهم أحد أدواته في السيطرة على المجتمع، (أجاك الدور يا “دكتور”) هذا ما خطته براعم حوران الأبية وخطوا معه سقوط النظام ونهاية الاستبداد ولا عبرة لما حصل ويحصل بعد ذلك التاريخ إلى اليوم، فالثورة هدم وبناء ولكل منهما مخاض خاص به ويمكن استقراء ذلك من مسيرة الثورات الشعبية على امتداد التاريخ. فالثورة الفرنسية التي يُقاس عليها كثيراً، مرت بمرحلة أُرخت باسم سنوات الإرهاب طالت فيها المقصلة رؤوس من نصبوها.

كذلك لا بد من استحضار العلاقة الطردية بين الألم وشدته في مرحلة البناء الثوري ودرجة الاستبداد وسطوته في مرحلة ما قبل الهدم الثوري، فكلما زاد المستبد سطوة في مرحلة ما قبل الثورة كلما كان الألم أعمق وأشد في مرحلة ما بعد الثورة. ذلك أن التصحر الفكري وغياب الوعي السياسي والعمل المؤسساتي التشاركي وغياب النقد البناء والمعارضة اللازمة، إضافة للفكر الجمعي كلها من نتائج الاستبداد والعقبة الكبرى لمرحلة البناء الثوري ولا أذكر إن كان ابن خلدون أو غيره من وصف تلك المرحلة بتحطم الدولة والمجتمع تحطم أواني الفخار.

سقط النظام منذ أن خط براعم حوران على جدران مدارسهم تلك العبارة، ولا عبرة لما حصل بعده رغم الدم الذي تزرفه العيون، واليوم أرقب ثورتي، أراقبها وأرعاها وأنعم في ظلالها، فما عاد صوتي مكبل بالخوف ولا الخطأ مسكوت عنه سواء ممن أخّضرت أعلامهم أو أحّمرت. ولا عدوَ لي ألدُّ من الفوضوية وانعدام الشفافية وتقديس الأفراد. أم الخطاب الشعبوي والطائفي والاستهتار بالفرد وحقوقه فتلك حقول الألغام التي علينا جميعاً تفكيكها كلٌ في حقله وسبيله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.