هموم المهجّرين في الشتات…خرج ولم يعد

576
الأيام السورية؛ علياء الأمل

ترتشف قهوتها مع جارتها أم محمد بعد إرسال أولادها إلى المدرسة، تذرف دموعها ويعصر قلبها الألم، بعد اتصال هاتفي من زوجها الذي لم يتمكن من أخذها مع الأولاد إلى ألمانيا، ومفاد اتصاله أنّه سيتزوج من امرأة سورية إن لم يتمكن من لم الشمل لأنه يحيا في الشتات.

آمال لديها خمسة أولاد؛ أربعة صبيان وابنة لا يتجاوز عمرها السنتين، والتي ولدتها بعد هروب والدها إلى ألمانيا، تفضفض لجارتها: خرجنا من بلدة الغزلانية التابعة لريف دمشق مع زوجي وأولادي، هُجّرنا إلى إدلب ومن إدلب ذهب إلى تركيا ثم تمكّن من الوصول لألمانيا.

أحنّ إليه وأشتاقه بعدد دقات قلبي، هو في الشتات وحيد ومغترب ويعاني الأمرين أيضاً، تزوجنا منذ خمسة عشر عاماً، وكنّا سعيدين جداً. وأنا من شجعه على الرحيل حباً به وخوفاً عليه.

تقول آمال لجارتها والغصة بادية على أنفاسها: ” زوجي بعيد وأنا ما عم أحسن أدبر أمور بيتي لأن الولاد كبروا وبعذبوني وما عم يداوموا بالمدرسة، وابني الكبير عم يدخن”.

تتابع آمال ما كنت أعلم أنّ الحرب سترخي بظلالها عليّ بأحزان لا طاقة لي بها، وزادت من وطأة وجعي؛ فبُعدُ زوجي عن أولاده زاد الأمر تعقيداً، ابني حسام بدأ التدخين بسبب رفاق السوء، وترك مدرسته وهو طالب في الشهادة الإعدادية، أما ابني الثاني والذي يصغر أخاه بعام فقط، ترك مدرسته ليعمل في محل ميكانيكي ويساعدني في إعالة أسرتنا المهجرة والفقيرة.

ترخي الهموم بثقلها على أسرتي، وتزداد وطأتها عليّ مساءً لأن الأيام القادمة لا تدلّ على انفراجٍ قريب لمعاناتي، وكلما تحدّث زوجي يقول وهو غاضبٌ: ” والله أنا زهقان أكتر منك بس مو طالع بإيدي شي اصبري علّ الفرج قريب”.

لم يعد بوسعي الصبر والتحمل ولا طاقة لي بإعالتهم، فزوجي يرسل القليل من المال؛ مما يضطرني للعمل والتغيب عن أولادي الذين يحتاجونني أكثر من أي وقت مضى.

وآخر ما أرسله إليّ أنّه سيتزوج من امرأة ثانية إن لم يوفق بتأمين لم الشمل لعنده، ليلتها لم أذق طعم النوم، وعلمت أنني خسرت زوجي وأولادي الذين حزنوا على فراق أبيهم لهم، وترجموا تمرّدهم هذا إلى أفعال وتصرفات غير منضبطة.

أنهيت فنجان قهوتي مع جارتي التي تكفكف دموعي بلمسة حنونة وطيبة، وحاولتْ حملي على التصبّر؛ بأن الدهر يومان يوم لي ويوم عليّ، فأجبتها: هل سيأتي يومٌ أرى فيه بيتي وزوجي وأولادي لنحيا بأمان، أم أنّ زوجي خرج ولم يعد وخاصة أنني علمت بأمر زواجه من أخته المهجرة هنا أيضاً، بيتي سُلب منّا عنوة ولا أمل بالعودة القريبة.

سلب مني كل شيء زوجي، بيتي، وطني، وضاع مستقبل أولادي …إنها الحروب التي لا تبقي ولا تذر…

لمن نشتكي هموم اللاجئين والنازحين في بلاد قصية، غربة وفقر وبعد عن الأحبة وأحزان لا تنتهي، لتكون المرأة في زمن الحرب هي الخاسر الأكبر والضحية الأولى لآلام تتوالى.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.