هل يهدّد الانهيار في أسواق النفط العالمية إلى دفع المنتجين الأميركيين إلى الإفلاس؟

هل فازت السعودية في حرب أسعار نفطية مع روسيا، وهل ساهمت استراتيجية المملكة بحسب خبراء، في انهيار أسعار الخام المتأثّرة بفيروس كورونا المستجد، رغم اتفاق خفض إنتاج تاريخي؟

الأيام السورية؛ فريق التحرير

أغلق برميل النفط الإثنين 20 نيسان / أبريل، في نيويورك على سعر ناقص 37,63 دولاراً، ما يعني أن البائعين اضطروا إلى أن يدفعوا للمشترين ليستلموا النفط الخام منهم.

ويمكن شرح هذه الظاهرة وفق المعطيات التالية:

1/ هذا الانهيار التاريخي لا يمس سوى نفط غرب تكساس الوسيط الذي يعد مرجعاً في السوق الأمريكية بينما بالنسبة لأوروبا فإن نفط برنت بحر الشمال هو الذي يحدد الأسعار. لكن برنت، ومع تعرضه للضغط الشديد، ما زال في الوقت الحالي يباع بنحو 20 دولاراً.

2/ هناك فجوة تاريخية تفصل حاليا بين السعرين المرجعيين لأسواق النفط، ويعود السبب بشكل رئيسي إلى ضخامة الإنتاج الأمريكي من النفط، ولا سيما من النفط الصخري ومن تراكم احتياطيات هائلة في محطة كوشينغ في أوكلاهوما والتي فاضت عن طاقتها التخزينية في وجه التباطؤ الحاد للاقتصاد الأمريكي من جراء جائحة كورونا المستجد.

3/ من الواضح أن بائعي النفط الخام لا يواجهون فقط مشكلة في العثور عمن يشتري النفط، بل في تخزين الفائض أيضاً، ومن هنا حدث التقهقر الكبير الإثنين.

4/ علاوة على ذلك، يستدعي السعر “السلبي” استكشاف الآليات التقنية إلى حد ما لسوق النفط والتي يغفل عنها الجمهور العام في معظم الأحيان.

5/ سوق النفط هو من النوع الذي يسمى بسوق “العقود الآجلة”: يتم التفاوض على الأسعار قبل عدة أسابيع من الموعد المحدد للتسليم. وبالتالي فإن ما يتم تداوله ليست البراميل بحد ذاتها وإنما عقود مدعومة بالنفط نفسه، وأصبحت هذه الآلية التي صممت في الأصل كتأمين ضد تقلبات الأسعار، موضوعاً للمضاربة.

6/ وراء هذه الاضطرابات قصيرة المدى التي تبدو غير منطقية، هناك حركات جوهرية تهز سوق النفط. ويُذكر على وجه الخصوص الحرب بين المنتجين.

7/ تسبب الركود الاقتصادي العالمي بخفض الاستهلاك، ومع فرض حظر على الطيران والسفر والتنقل وتوقف المصانع بسبب الحجر الصحي، انهار الطلب، وهو أمر سيستمر لفترة.

أسباب ونتائج

زادت السعودية، العضو في منظمة الدول المصدّرة “أوبك”، إنتاج النفط إلى مستويات قياسية في آذار/مارس ونيسان/أبريل، وعرضت تخفيضات كبيرة ردا على رفض روسيا خفض صادراتها لرفع الأسعار، وتسبّبت هذه الخطوة بتراجع كبير في أسواق الطاقة، حيث تراجعت العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي إلى ما دون الصفر لأول مرة في التاريخ الاثنين 20 نيسان/ أبريل، وسط وفرة في المعروض زادت من تفاقمها حرب الأسعار التي بدأت في آذار/مارس بين القوتين النفطيتين.

كما انخفضت الأسعار إلى أدنى مستوياتها في عدة سنوات، في وقت كانت السعودية تستعرض قوتها المالية لتؤكد أنها على النقيض من منافسيها قادرة على تحمّل الأسعار المنخفضة لسنوات. وأدّى اضطراب السوق في نهاية المطاف إلى عودة روسيا والمنتجين الآخرين إلى دائرة الاتفاق، ما ادى الى صفقة تاريخية لخفض الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يوميًا في أيار/مايو وحزيران/يونيو.

من حقول استخراج النفط (ان آر تي)

توقعات ومخاوف

1/ يرى مراقبون، أنه مع أكبر صفقة لخفض الإنتاج في التاريخ، فازت السعودية في حرب أسعار النفط، لكن هناك خطر كبير؛ من أن الصفقة ضعيفة للغاية وقد تكون أتت متأخرة، ففي ظل عدم وجود إشارة الى أن أسعار النفط سترتفع بشكل مستدام، قد تكون الرياض أطلقت العنان لأمر لا تستطيع السيطرة عليه.

2/ خرجت أسعار الخام الأميركي لفترة وجيزة من المنطقة الحمراء الإيجابية الثلاثاء، لكن الانهيار يؤكد ان الضربة التي وجّهت لصناعة الطاقة ستكون طويلة الأجل.

3/ قال السناتور الأميركي كيفين كرامر إن “الانخفاض الكبير يبرز سبب وجوب عدم السماح للسعودية بإغراق السوق، خصوصا بالنظر إلى ضعف طاقتنا التخزينية”.

وأضاف “في الوقت الحالي، أكبر عدد من ناقلات النفط السعودية منذ سنوات في طريقها إلى شواطئنا. في ضوء المستجدات الأخيرة، أدعو الرئيس (دونالد) ترامب لمنعها من تفريغ حمولاتها في الولايات المتحدة”.

4/ لدى سؤاله عن تعليق كرامر، لمح ترامب الاثنين إلى أنه يفكر في إمكان وقف شحنات النفط الخام السعودية القادمة إلى بلاده. وقال للصحافيين “لدينا بالتأكيد كثير من النفط. لذا سأنظر في ذلك”.

5/ ذهب عضو مجلس الشيوخ الأميركي الآخر جيمس إنهوف إلى أبعد من ذلك، مطالبا بفرض تعرفات جمركية على النفط السعودي.

وكتب إنهوف في رسالة إلى وزير التجارة الأميركي ويلبر روس “من الواضح أن السعوديين والروس يواصلون إغراق سوق النفط العالمية في ما أعتبره محاولة لسحق منتجي النفط والغاز الأميركيين والاستحواذ على حصتهم في السوق”.

وتابع “أحثّكم (…) على فرض رسوم جمركية على النفط المستورد من السعودية وروسيا، ومعاقبتهم على سلوكهم المدمر”.

6/ يقول محللون إن انهيار الأسعار ستكون له عواقب واسعة النطاق، من تراجع الإيرادات في الاقتصادات المعتمدة على الطاقة، إلى التسبب بانكماش عالمي وإعاقة مشاريع التنقيب عن النفط.

7/ يبدو الضرر الاقتصادي واضحا في دول الخليج، بما في ذلك السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم، والتي تمثل مجتمعة خمس إمدادات الخام العالمية وحيث يشكل دخل النفط 70 إلى 90 في المئة من الإيرادات العامة.

8/ يمكن أن تقوّض هذه الصعوبات الإصلاحات الاقتصادية الطموحة التي قام بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للسعودية، لانهاء ارتهان المملكة للنفط.

9/ سجّلت الرياض عجزًا في الميزانية في كل عام منذ آخر هبوط في أسعار النفط في عام 2014، وقد اقترضت أكثر من 100 مليار دولار وسحبت من احتياطياتها لسد العجز.

واتفقت روسيا والسعودية على خفض إنتاجهما إلى 8,5 ملايين برميل في اليوم، لكن محللين يقولون إن مزيدا من الخفض قد يكون ضروريا إذا استمرت الأسعار في الانهيار.

مصدر فرانس برس وكالات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.