هل هناك مقاييس للزي الديني المحتشم؟

من السطحية والسخف تقييم الشخص وفق ما يلبس. وصم آذاننا وإغلاق عقولنا عما يقول ويفعل. فعلاً لدى الأجيال القادمة إرث ضخم من الضحالة، آمل أن يستطيعوا تخطيه.

كفاح زعتري

مع بداية صيف 2017 التحقت بمدرسة لتعلم اللغة الألمانية، كنا تسعة من سوريا، ثلاث نساء وستة رجال، بالإضافة إلى أربعة نساء أوربيات وآسيويات. نحن السوريين كنا نسكن في مدن صغيرة متقاربة ونذهب إلى المدرسة التي تقع في مركز المحافظة، ونحتاج يومياً إلى ثلاث ساعات على الطريق.

مع ارتفاع درجات الحرارة ونسبة الرطوبة العالية، يصبح الجو خانق؛ بات مظهر “آية” الصبية العشرينية ملفتاً للنظر وهي ترتدي “ترانشكوت صيفي” وتدخل الصف بوجنتين محمرتين، برفقة زوجها الذي يحمي رأسه “بكاسكيت” خفيف ويرتدي الشورت.

سألتها يوماً “تاتيانا” الشابة الروسية، مدرسة للغة الألمانية بتعجب عن سبب ارتدائها “المانطو” صيفاً وكيف تحتمله!

أجابت بأنه الزي الشرعي للمسلمين، علقت “تاتيانا” لكن هنا أيضاً مسلمات، ولا يلبسن المانطو! الحر لا يطاق. تدخَّل زوجها معلقاً “النساء اعتدن لبس وتحمل الزي هذا وهو غير مزعج لهن. ردت “آية” بالعربي “ما تعودت ولا شي، عم بموت من الشوب”.

تحول الحديث إلى مشاركة جماعية، كل يدلي بدلوه، اعتبر أغلب المشاركين، أنه الزي الإسلامي، وبالاقتداء به أجر وتجنب للمعصية.

آخر أضاف معلقاً على ارتداء زوج آية الشورت، بأنه حرام أيضاً.

التعليق الذي أثار حفيظة الشباب السوريين واستفز من فضل عدم المشاركة في النقاش بداية، كان تعليقي بأن الزي هذا ينتمي إلى العادة، لا إلى الشرع. كان رأي بمرتبة الكفر.

أنهت “تاتيانا” الجدل المحتدم، بطلبها التحدث باللغة الألمانية ليفهم الجميع الحديث. ومن مبدأ “بلا ما ننشر غسيلنا أمام الأغراب” التزم الجميع الصمت.

لكنهم اعتبروا مدرِّستهم الجميلة، تجاوزت الخطوط الحمر وتدخلت بموضوع ليس من صلاحياتها، ولسوف يوقفوها عند حدها إن كررت ذلك. بل تغيرت طريقة تعامل البعض معها.

تذكَّرتُ هذا الموقف وأنا أتصفح بعض المواقع والصفحات الاجتماعية، والزوبعة التي نالت من داعية إعلامي وأحد شيوخ الأزهر، ظهر في برنامجه مرتدياً ملابسَ عصرية “الكاجوال”.

لقد استنكر العديد من “رجالات الدين” والعوام تصرفه، مع الكثير من الاتهامات والشتائم. في حين اعتبر آخرون بأن ملابس الشخص جزء من حريته الشخصية، طالما لا تخرج عن المألوف، وأن الإسلام برأي علماء الأزهر لم يفرض زياً خاصاً للرجال أو يضع ضوابط عليه سوى أن يكون ساتراً للعورة. “د. مهجة غالب عميدة كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر”.

من السياقين، يتجلى بوضوح الطريق المعتم الذي يوجه إليه عموم المسلمين/ ات، من قبل “مفتيي السوشال ميديا” بشكل خاص، بتجهيل الشارع المسلم وتوجيهه لصغائر الأمور والقشور، على حساب، العلم والمنطق ومفهوم ومغزى الدين. من ذات الرؤية كانت حملة الكراهية الدموية، بمواجهة الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام.

عود على بدء، تلك التصرفات هي من تسيئ للإسلام وتؤجج العداء ضد المسلمين.

المظهر الخارجي يتغير بين الدول والبلدات، وعبر العصور داخل المجتمع الواحد، المألوف والمحبب في منطقتنا، مستغرب في مناطق أخرى كأفريقيا وأوروبا، كما أن الأزياء الأفريقية تبدو شديدة الغرابة وملفتة للنظر بالنسبة لنا، حتى وهي فضفاضة وساترة ولا تصف الجسم، وهذه مقاييس الزي الإسلامي المحتشم. من السطحية والسخف تقييم الشخص وفق ما يلبس. وصم آذاننا وإغلاق عقولنا عما يقول ويفعل. فعلاً لدى الأجيال القادمة إرث ضخم من الضحالة، آمل أن يستطيعوا تخطيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.