هل نحن استثناء ؟؟؟…

عقاب يحيى:_

نكاد نكون” الألى” في العالم، باستثناءات باتت نادرة، في شدّة القتل، والموت المنوّع.. والتدمير، والاستبداد.. والحروب الأهلية المفتوحة التي تأكل أخضر ويابس البلاد، والشعوب..والبلاد الوحيدة التي ما يزال نظام العهود القديمة سائداً ومستمراً، بما فيها الأشدّ فتكاً، وأحادية، وتخلفاً، ولصوصية، وخيانة لحقوق الشعوب وتقدمها.. وكأننا “امتياز” عن بقية أمم وشعوب الأرض. وكأنه كتب علينا أن نرسف أبد الدهور في أقفاص التخلف، وسحق الإنسان وموقعه، ومساحته، وحقوقه، وإنسانيته ..
أوربا الشرقية، وباستثناءات قليلةـ يوغسلافيا السابقة، وبعض الاشتباكات المحدودة في بعض المواقع ـ أنجزت تحولاتها من النظم الأحادية إلى الديمقراطية بيسر وسلاسة وفي زمن قصير. لم تدمّر دولها، ولم تنسف البنى التحتية، ولم تسل أنهار الدماء، ولا حروب الإبادة.. وبالطبع لم تعرف الحروب الطائفية على شاكلتنا، ولا تغوّل التطرف، ولم تنهض التحالفات الأسطورية لتفتيتها، وغزوها، وزرع كل أنواع الشرور وجراثيم الفتك بها، ولم نتج، أو تصدّر تلك النوعيات الخائنة، والحاقدة من زمر المتعاملين مع الخارجي، والطائفيين الذين يعيدون إنتاج أهزل، واسوأ أنواع فترات الانحطاط العربي، وزمن ملوك الطوائف والحارات بطبعات أكثر بؤساً، وشمولية في العهر السياسي، وإثخان الأوطان بكل أنواع الجراح المملوءة بالحقد، والعفن، والقيح ..
عاملان متراكبان يجعلنا خصيصة تستحق الاندهاش :
1 ـ شدة، وقوة، وطبيعة نظم الأحادية والاستبداد، والفئوية التي حوّلت الأوطان لملكية خاصة.. فغابت الحدود بينها وبين الدولة، وباتت النظم هي البلد، والدولة، والحاكم هو المالك، القابض على رقاب وحياة وعمل وهواء البشر، وعلى ثروات الوطن ومقدراته، وعلى كل شيء وحوله زمر من عصابات النهب والقتل والمافيا لا تتورع عن فعل الإبادة المنظم .
الحاكم المستبد، خصوصاً في أشدّها فتكاً : النظام السوري… يقرن الحكم بالوطن. يبيع الوطن في سوق الشعارات المزيفة. يعلن استعداده المفتوح لذبح الوطن تحت رايات الدجل : الوطن والوطنية.. ويؤكد رفض تخليه عن الكرسي حتى لو باتت الدماء أنهاراً، وقد فعلها، ولو حوّل البلد إلى حطام، وقد حدث، ولو أشعل جميع فتائل التخلف الطائفي والعرقي والعشائري وسواه.. وهو ما يعمل له …
2 ـ الدور الخارجي القوي، والفاعل.. المعارض في جوهره لإقامة نظم ديمقراطية فعلية تكرّس التعددية، وتنهي إرث حكم الفرد، والنهب.. كي يكون الشعب سيد مصيره، وقراره، وثرواته ..
هنا تحضر الثروات الاستراتيجية بقوة : النفط والغاز.. وكذا الموقع الاستراتيجي.. وهنا تظهر” إسرائيل” دمّلة الدمامل عاملاً قوياً في منظور تلك الدول ومعادلاتها وحساباتها واستراتيجياتها …
***
قد يقول قائل : اليمن لا تملك ثروات نفطية مهمة.. ولا سورية..
لكن اليمن بوابة الخليج العربي، واليمن تقبض على أهم الممرات البحرية في العالم، واليمن واحد من استنادات الأمة على مدار مسار الكفاح ضد الصهيونية وكيانها، واليمن حريق قابل للامتداد طولاً وعرضا، واليمن استثمار المشروع الإيراني الفاضح في منطقة استراتيجية يمكن أن تكون بوابة إلى السعودية، والمقدسات الإسلامية في مكة والمدينة ..
ـ أما سورية.. فهي سورية أبدية الموقع والدور. قلب العروبة النابض حقيقة. مفتاح التغييرات في المنطقة. شقيق فلسطين، وحاملة قضيتها بما يتجاوز الحكم إلى الشعب، وهي سورية التعايش، والتحضّر والبصمة الخاصة..وسورية الشعب المتعلم، والنشيط الذي يمكن أن يكون لنجاحه في إقامة الدولة الديمقراطية إحداث زلزال كبير في دول الجوار مباشرة، وعموم المنطقة والوطن العربي، وسورية الجسر المكين للمشروع الإيراني الذي يمكن لكسره أن يدّمر ذلك المشروع في أهم ساحات تمدمده ..
****
ـ المضحك المؤذي أن نظم خيانة الشعوب والأماني تتحدث منذ فجر ثورات الربيع العربي عن المؤامرات الخارجية التي تستهدفها، وكأنها لم تكن جزءاً منها، وكأنها لم تمارس فعل المقايضة، والتبعية، والانضواء في أحلاف الخارج، وتقديم الخدمات المطلوبة ولو كانت تخصّ أمن، وحياة، وخاصية مواطنيها. وكأنها كانت شعبية، وتستجيب لمصالح المواطنين همّها، وليس النهب، والقمع، والغتييب، والترهيب والإخضاع المنهّج، والطائفية، والعشائرية..وكأنها، وهي” تستشعر” المؤامرة عليها، أو على الأوطان ـ كما تدّعي ـ بادرت، وقبل، وقبيل، وأثناء قيام ثورات الربيع العربي، وبعدها بأشهر طوال إلى القيام بإصلاحات حقيقية تستجيب لأدنى مطالب وحقوق الشعوب، فتقطع الطريق جدّياً على تلك المؤامرات، إن كانت موجودة عليها وعلى الأوطان ..على العكس من ذلك مارست كل ما من شأنه انفجار الأوضاع، وخروجها عن النطاق الذي حددته، وبما سمح لكل أشكال التدخل، أن تصول وتجول، وأولها التدخل الإيراني، وشبكات الدول الاستخبارية وغير الاستخبارية .
ـ أما الاستنزاف، وأما الدمار والتمزيق، وأما موضعة الطائفية، والصراعات الإثنية، وأما الإيغال في اللعب بالوحدة الوطنية لشرذمتها على أيدي أبنائها، وعبر عملية مجرّثمة ..فكل ذلك جزء من استراتيجية قديمة ـ متجددة.. لكن أساسها، وموقدها، وفاعلها الكبير هي النظم الموجودة. هي من رفض الاستجابة لأدنى المطالب الشعبية، وهي من واجه المظاهرات السلمية بالقتل والقنص والاغتيال والاعتقال المميت، وسياسة الإبادة، والحرب الشاملة.. وهي من فتح نار الجحيم على التدمير والتغيير الديمغرافي، واستجلاب المليشيات الطائفية والاستعانة بالآخر، والانضواء في المشروع الإيراني، وهي من فتح أبواب التدخل السافر لكل الدول والمشاريع الخارجية متعددة الألوان، والخلفيات، ولقوى التطرف.. وأولهم” الفكر الداعشي” الذي أطلقته من قمقمه، ودعمته بشكل مباشر ومن حيث النتيجة..
ـ هي أصل البلاء.. والداء.. وهي الوباء العميم الذي لا يمكن للبلاد أن تعود إلى الوضع الطبيعي، وإلى الأمن، والإعمار، وإلى التعايش والبناء بوجودها..
إن إسقاطها مدخل ومقدمة لبناء البديل الذي يستجيب للضرورات والحقائق، ولطموحات الشعب وحقوقه، خاصة وأنها بفعلها ذاك، وضعت الشعب أمام خيار وحيد : إما بقاؤه والانتصار.. وإما .. الانتصار…..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.