هل مواقع التواصل الاجتماعي تشكل الحل المناسب لمعالجة الوحدة النفسية وآثارها

في الحالة السورية، وضمن هذه الحرب، تتأزم حالة الوحدة أكثر فأكثر. فالخوف ازداد وحالة عدم الاستقرار زادت، والجميع يتوجس من الجميع كمخلفات السياسة الأمنية المخابراتية، لا أحد يعلم من أين ومِمَن ستأتيه الطعنة؟

46
الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

علمونا منذ صغرنا في المدارس في مادة الاجتماعيات ضمن المرحلة الابتدائية أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه. ظاهرياً يحيا الإنسان حياته محاطاً بالآخرين، في البيت في العمل في الشارع، قد يندر تواجده وحيداً تماماً في محيط واحد. ولكن هل هذا كافٍ؟ ويعني أنه ليس وحيداً؟

أكثر ما تتصف به العلاقات اليوم هو سطحيتها وسرعة تواترها، وضعف أساسها لتنهار بسرعة. إنها نتاج عصر السرعة وعصر الماكينات، فلا وقت للأمور الروحية وتغذيتها بعلاقات حقيقية عميقة تساعد الانسان كي يتواصل مع داخله عن طريق اتصاله بدواخل الآخرين، بالنتيجة يتحول كل إنسان إلى سجين داخل نفسه، يتحسس الخطر في كل إلتفاتة وكل حركة.

الوحدة النفسية

يعاني الإنسان المعاصر في المجتمعات كافة من مشكلات نفسية واجتماعية واقتصادية ومهنية عدة، نتيجة للتطور التكنولوجي الهائل والسريع الذي يعجز الفرد من ملاحقته فضلا عن التغيرات التي لحقت بالقيم الإنسانية.

من الممكن أن يكون لديك الكثير من الأصدقاء، ولكنك بالرغم من ذلك تشعر بأنك وحيد في الدنيا أو تشعر بالعزلة.

ومن هذه المشكلات النفسية مشكلة الشعور بالوحدة النفسية، إن الشعور بالوحدة النفسية حالة ينفرد بها الإنسان عن غيره من الكائنات الحية بسبب امتلاكه نظاماً اجتماعياً، يتأثر به ويؤثر فيه، وأي خلل قد يحدث في الأواصر التي تربط الإنسان بغيره من أبناء جنسه أو أي تغير يحدث في النظام الاجتماعي، ينعكس على الفرد، وينتج عنه اضطراب في الطابع الاجتماعي المكتسب لدى الأفراد، ما يولد لديهم الشعور بالاغتراب أو الانعزال أو معاناة الوحدة النفسية التي تترك آثارا على الفرد، تؤثر على مجمل نشاطاته، كما أنها تُعد نواة لمشكلات أخرى.

الوحدة في الحالة السورية

لو كان عندي موهبة الرسم، لرسمت لوحة تعبر عن علاقات اليوم بمجموعة من القنافذ المتحسسة للخطر مبرزة أشواكها في وجه الآخرين، فالجميع خائف يتخذ وضعية الدفاع، ربما تظهر عند البعض كهجوم، لكنها في الحقيقة عملية دفاعية، فهو يهاجم دفاعاً عن وجوده نتيجة إحساسه بالخطر القائم في محيطه وعدم شعوره بالأمان، نتيجة ضعف العلاقات المبنية بينه وبين المحيط الذي يتمثّل بالآخرين.

في الحالة السورية، وضمن هذه الحرب، تتأزم حالة الوحدة أكثر فأكثر. فالخوف ازداد وحالة عدم الاستقرار زادت، والجميع يتوجس من الجميع كمخلفات السياسة الأمنية المخابراتية، لا أحد يعلم من أين ومِمَن ستأتيه الطعنة؟

إنه القرن الحادي والعشرون، قرن تحول الإنسان إلى آلة وبقايا إنسان، فلا يستطيع التخلص من بقايا آدميته، ولا يمكنه التخلص من استحكام هذا العصر به، ليبقى الجميع منغلقين على ذواتهم، باحثين عن أنفسهم وعن أمانها واستقرارها.

أما من كان محظوظاً بإيجاد رفيق حقيقي بعلاقة وطيدة أساسها متين، فمن الغالب أن تكون الحرب قد تسببت بتشتيتهم، الأمر الذي لا ينطبق فقط بين الأصدقاء وبشكل خاص من فئة الشباب، وإنما ضمن العائلة الواحدة، فعدة أفراد مشتتون في عدة دول مع صعوبة الوصول أو زيارة بعضهم في ظل الظروف الحالية والأبواب المغلقة أمام الوجوه السورية. كل هذا يؤدي إلى تفاقم الإحساس بالوحدة واليأس، والحاجة للأنس، والتواصل مع الذات.

مواقع التواصل الاجتماعي، هل هي الحل؟

هنا يدخل ما يعتقده الإنسان أنه الحل، لكنه ليس سوى إبرة مخدر، تقوم بإزالة الإحساس بالألم والوحدة، دون زوالها حقيقة، أو زوال أسبابها، إنها مواقع التواصل الإجتماعي، التي يقضي عليها الجميع كل أوقاتهم، حتى في العمل يجد المرء نفسه مرتبطاً بالكم الهائل من البرامج المخصصة للتواصل مع الآخرين، الذين قد لا يربطه بهم حب أو علاقة عميقة، هم فقط أدوات ليشعر بالأنس الذي يبحث عنه، وهم بالمقابل يفعلون ويشعرون بالمثل، فكلنا ندور في الدائرة ذاتها دون أن نشعر أو ندرك ذلك حقيقة.

وهذا ما يجعلك تلاحظ أنه من الممكن أن يكون لديك الكثير من الأصدقاء، ولكنك بالرغم من ذلك تشعر بأنك وحيد في الدنيا أو تشعر بالعزلة.

لذا يكون انقطاع الانترنت أشد وأصعب من انقطاع الكهرباء أو المياه، لأنها تجعل المرء يتحسس وحدته التي يهرب منها بشكل ملموس ومادي، ليدرك الفراغ الذي يحيا به واللا جدوى المحيطة به وبوجوده ككل، وهشاشة ما يعتقده عن حياته التي يحياها، فيدرك أنها ليست سوى تمرير للأيام، وضياع لها على اللاشيء.

إنه القرن الحادي والعشرون، قرن تحول الإنسان إلى آلة وبقايا إنسان، فلا يستطيع التخلص من بقايا آدميته، ولا يمكنه التخلص من استحكام هذا العصر به، ليبقى الجميع منغلقين على ذواتهم، باحثين عن أنفسهم وعن أمانها واستقرارها، مستشعرين لخطرٍ لا يوجد إلا داخل عقل كل منهم، خلقوه بأنفسهم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.