هل من معطيات لحل سوري مع إدارة أمريكية جديدة؟ وما دور السوريين فيه؟

يفرح السوريون أو بعضهم مع أي توافق روسي تركي ضمن مسار أستانا وأخواتها، بينما يرى فريق سوري أخر أن أي حل سوري مرهون بتوافق أمريكي روسي لم ينضج بعد، فهل من معطيات لحل سوري مع إدارة أمريكية جديدة؟ وما دور السوريين فيه؟

عمار جلو

تتلاقى المصالح الدولية وتتصادم على الأرض السورية، تتلاشى معها أي إرادة وطنية فاعلة في قضيتها، وتتلاشى معها آمال الحل، بعد رفض النظام وفشل المعارضة في قيادة الشارع بمختلف أطيافه لإتمام عملية التحول الديمقراطي، كثمرة من ثمار الربيع العربي الذي ضرب المنطقة وبلغت أمواجه سوريا مع بداية هذا العقد.

عشر سنوات عجزت المنظمات الدولية خلاله عن إيجاد حل يُنهي نزيف الدم، وهي العاجزة بتكوينها الراعي لمصالح الدول الكبرى وضمان عدم تصادمها تحت مسمى حفظ السلام الدولي، ومع بُعد المدة عن إنشائها صارت كالنسر الهَرِم تقتات على فتات هذه الدول التي تُحدد عمر أي أزمة من خلال سرعة الاستجابة والتوافق من عدمه، أو من خلال توافقات جانبية خارج هذه المنظمات، وهذا ما يفسر زغردة السوريين أو بعضهم مع أي توافق روسي تركي ضمن مسار أستانا وأخواتها التي جمعت ألف إن، بينما يرى فريق سوري أخر أن أي حل سوري مرهون بتوافق أمريكي روسي لم ينضج بعد، فهل من معطيات لحل سوري مع إدارة أمريكية جديدة؟ وأين السوريين فيه؟

ترتبط السياسة الخارجية الأمريكية بالمؤسسات دون الأشخاص، (وهو موضوع إشكالي، كون المؤسسات تُعبر عن سياسة مدرائها القادمين مع  القادم الجديد) هذا ما جعلها بمأمن عن أي تغيير جوهري نتيجة قاطن جديد للبيت الأبيض، إلا أن ما أحدثه الرئيس دونالد ترامب مثّل خرقا لهذه القاعدة ومن المستبعد حالياً معرفة تأثير هذا الخرق على خلفائه  إمكانية تحوله لنهج متبع لدى شاغل المكتب البيضاوي أم لا، وبعودة سريعة لتصريحات الرئيس المنتخب وفريقه الانتخابي/ الإدارة الجديدة يُظهر انقلاب على السياسة الترامبية، لكن دون العودة للسياسة الأوبامية .

(أمريكا عائدة)، بهذه العبارة دشن جو بايدن خطابه المتعلق بالتشكيلة الوزارية لإدارته، في إيحاء بعودة أمريكا لقيادة العالم بعد الانحسار الذي بدأه أوباما وتوّجه ترامب بشعار (أمريكا أولاً)، هذا الانحسار حدى بالعديد من الدول لتعبئة الفراغ المتولد عنه، فاجتمع على الأرض السورية من كل لُسن وأُمة نتيجة غيابها في أدراج الخارجية الأمريكية خلال السنوات السابقة، وتغيّب منظور الحل في تصريحات الإدارة القادمة.

باستثناء البكائيات الصادرة عن بعض أفراد الفريق الانتخابي/ الإدارة الجديدة جراء الشعور بالذنب تجاه المذبحة السورية، (رغم أهمية هذا الشعور في سلوك الأفراد لما يفرضه من سعي لإزالة أثار هذا الذنب، بالتماثل مع مفهوم التوبة في نطاق الدين، أما على سلوك المؤسسات فهو بحاجة لمختصين في علم النفس والاجتماع لتحديد تأثيره)، إلا أن قانون قيصر وما غُلّف به من آليات تمنع مقاومته من قبل الإدارات المستقبلية، يُبقيه سلاحاً فعالاً في مواجهة النظام وحلفائه، كما يشكل أداة لإحضار النظام لطاولة التفاوض بما يتضمنه من اشتراط رفع العقوبات أو بعضها بالتوقف عن قتل المدنيين والانخراط الجدي بمفاوضات الحل السياسي.

ويعتبر هذا الحل شرط أمريكي  للمشاركة بعملية إعادة الإعمار بما يستشف من مرشح وزارة الخارجية، توني بلينكين حين صرّح: أنه “لا يستطيع تخيّل اعتماد سياسة إعادة التعامل مع بشار الأسد”، وبدون مشاركة غربية في إعادة الإعمار ينسف العملية برمتها، ويشكل حائلا أمام الجهود الروسية الرامية لقطف ثمار تدخلها في سوريا، نتيجة عجز النظام وحلفائه عن تنفيذ العملية وفشل أي دعوة للمشاركة فيها مع وجود الفيتو الأمريكي .

لم تنتهِ ولاية الرئيس ترامب بعد، ويحتاج المرء عقلاً فعالاً قادرا على التنبؤات (حسب الفارابي)، لمعرفة كم الأسلاك الشائكة التي يتوجب على جو بايدن عبورها في طريق العودة للاتفاق مع إيران، وهل ستكون طريق لعودة الاتفاق أم لعودة الصراع؟

كل ذلك مرهون بعدد السفن التي لن تطالها نيران ترامب حتى تاريخ ٢٠ كانون الثاني/ يناير 2021، وقد أحرق الرئيس المنتخب إحداها حين صرح “إذا عادت إيران للامتثال الصارم بالاتفاق النووي فإن الولايات المتحدة ستنضم إلى الاتفاق كنقطة انطلاق لمتابعة المفاوضات” في إشارة منه إلى البرنامج الصاروخي والمليشيات الايرانية المنفلتة في عدد من الدول ومنها سوريا، لذا فإن أي اتفاق قد يتوصل له الجانبان سيترك تأثيره على الحل في سوريا، وكذلك أي صدام بينهما يجعل سوريا إحدى ساحات هذا الصدام، و كلتا الحالتين تقّوي المعارضة وتضعف النظام.

تُعيد الإدارة الأمريكية الجديدة، العداء الأمريكي الروسي إلى الواجهة، بعد سنوات من خمول أوباما في مواجهة موسكو ومهادنة ترامب لبوتين، وفي حال تبلور سياسة أمريكية في هذا الإطار ستكون سوريا ساحة من ساحات الصراع أيضاً، وحينها تصبح مقولة المبعوث الامريكي لسوريا والتحالف الدولي لمقاتلة داعش، جيمس جيفري “روسيا تغوص أكثر في المستنقع السوري” مقولة واقعية.

 

أين المعارضة السورية من ذلك؟

على المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، تأطير نفسها بإطار وطني مؤسساتي، على أن يكون الشق العسكري ملتزم بالقرارات السياسية، بعكس القاعدة القانونية القائلة: “الجزائي يعقل المدني” فالسياسي هنا يعقل العسكري، بما يُفترض فيه من القدرة على قراءة الوقائع السياسية والتفاعل معها بتحالفات سياسية أو عسكرية تخدم قضيته،  تُشكل مواجهة المليشيات الإيرانية مدخلاً لتحالف قد يُولد في المنطقة وقد يتوسع لمواجهة القوات الروسية، إذا استمرت موسكو بمواقفها المتعنتة وتفسيرها للقرار الدولي (٢٢٥٤) لصالح بقاء النظام، وهو ما أضافه جيفري لتصريحه الوارد أعلاه: “أن الروس يدركون أنهم في المستنقع  وأن أمريكا ستواصل الضغط إلى أن يدركوا ويوافقوا على تسوية” لذا فإن أهم ما يتوجب على المعارضة فعله هو الحفاظ على المكتسبات القانونية التي تم إقرارها بالمحافل الدولية وعلى رأسها بياني جنيف والقرار ٢٢٥٤ وعدم إضاعتهم في منحدرات أستانا أو غيرها من الطرق الفرعية، وكفا بأوسلو شهيدا.

لا خلاف أن الخطأ صفة إنسانية،  إلا أنه بمعزل عن الخطأ المهني البسيط، فإن الخطأ في مجال السياسة وتصّدر الرأي العام لا يمكن اعتباره خطأ، فهو انتحار سياسي في الأحوال العادية، وجريمة مكتملة الأركان في الظروف الاستثنائية التي يعيشها السوريون، و هذا ما يجب على المعارضة أن تعيه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.