هل من عيد للعمال.. والعمال السوريون أول وأكبر الضحايا في تعميم الفقر؟

حلّت مأساة شاملة بالمجتمع السوري، هي الأكبر والأكثر قسوة بعد الحرب العالمية الثانية، العمال فيها أول وأكبر الضحايا بما في ذلك تعميم الفقر، والجوع وسط غلاء فاحش، وموت يومي، وندرة المواد، ونشاط السوق السوداء التي تمسك بها عصابات نهمة.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

كأنه اليوم هو الأول من أيار!!
كأنه العيد العالمي للعمال؟؟!
كأنه، عندنا، بقايا ذكريات تشبه بكائياتنا على أطلال كثيرة.

البدء بهذه السخرية السوداء، على مرارتها، تحكي جزءاً من لوحة مصير التنبؤات التي سادت القرن الماضي، وأخصّ منها جوهر الماركسية واستنادها على مقولة “دكتاتورية البروليتاريا” انطلاقاً من تحليل ماركس لمراحل التطور البشري، في ” آخر تشكيل” وصلته البشرية: النظام الرأسمالي الذي يحمل تناقضاته، ونهاياته في صلبه.. فالاشتراكية والشيوعية التي يشكل العمال سداها وروحها.

كان تفصيص النظام الرأسمالي، وفائض القيمة، ومنحى التطور البشري وفق تلك التصورات “التنبؤية” يؤدي إلى أن يصبح العمال القوة المنتجة الرئيسة، والمهيمنة على المجتمع والاقتصاد، فتفرز دكتاتوريتها التي هي هنا، كما وصفها أنحلس” الانتقال من مجتمع الضرورة إلى مجتمع الحرية” أي الاشتراكية، فالشيوعية التي ستصبح النمط الإنتاجي السائد، فينتفي الاستغلال، ويحل التناقض بصورة سلمية لا تستخدم ما اصطلح على تسميته بـ”العنف الثوري”.

انتشرت الأفكار الماركسية بقوة الحاجة إلى بديل شمولي، تزيده ضرورة الأزمات المتعاقبة للرأسمالية، والحروب الكونية التي أفصحت عن هوية الصراعات كوجه من وجوه تركيب وأزمة النظام الرأسمالي، وانعكاس ذلك على واقع العمال، والمجتمعات الكونية.. فأصبح العمال قوة ضاربة، وبات تكريس عيد عالمي لهم تحصيل حاصل واقع أوربي يتجه نحو الصناعة، والإنتاج المتطور.

ماركس تحدث في رؤيته تلك عن تطور المجتمعات موضوعياً، وصولاً إلى مرحلة يصبح فيها الإنتاج الرأسمالي عاماً، ويسيطر على وسائل الإنتاج الزراعي وغيره، ويشكل طبقة عاملة كاسحة، فتأتي عمليات الانتقال طبيعية من النظام الرأسمالي إلى الاشتراكي، فالشيوعي.

ـ إن إحلال العامل الذاتي بدل الموضوعي كان عملية قسرية كبرى تركت آثارها على جوهر الأفكار، وعلى الطبقة العاملة بالخصوص، والحريات العامة، والخاصة بالتحديد، ودخلت منظومة القولبة المفروضة.

فقد افترض لينين إمكانية أن يحلّ العامل الذاتي محل الموضوعي عبر ما يعرف بحرق المراحل، أو تراكب الثورتين الديمقراطية والاشتراكية، استناداً إلى عناوين دكتاتورية البروليتاريا المفرغة من مضمامين أدواتها، فاستبدلت الطبقة بالحزب، ثم استبدل الحزب بهيئاته القيادية: اللجنة المركزية فالمكتب السياسي، ثم الحزب بالشخص الأوحد، وكانت الستالينية التعبير الصارخ عن ذلك الاستبدال الذي جوّف الأفكار الرئيسة واستبدلها بعبادة الفرد، وبالدولة البيروقراطية التي كان العمال أول وأكبر ضحاياها.

كان الموج قوياً عندنا فاتجهت كثير الأحزاب والقوى، وحتى النظم، بما فيها العسكرية، والفردية لإعلان تبنيها لعديد شعارات الاتحاد السوفييتي، خاصة ما يتعلق منها بالنظام الشمولي، وإلغاء الحياة الديمقراطية، ومصادرة حريات الفرد من خلال تلك الأقنعة المعلبة فيما يعرف بالديمقراطية الشعبية، وتحويل العمل النقابي، وأولها اتحادات العمال إلى منظمات ملحقة بالسلطة تخون قياداتها مصالح العمال، وتبيع حقوقهم بالمكاسب الشخصية والحزبوية التي تحققها، بل كثيرها تحوّل إلى جهاز أمني يكتب التقارير بالناشطين من العمال، ويسهم في خنق، وسحق أي رأي مخالف.

ـ ومن جهة أخرى فإن بعض التنظيمات اليسارية حاولت اصطناع واقع عمالي فيها عبر عمليات طفولية تحاول قسر الواقع وليّها لتخدم الفكرة المقررة سلفاً عبر الطلب من بعض أعضائها لترك دراستهم والالتحاق بالمصانع، أو بأنواع من العمل كي يتحولوا إلى عمال، ناهيك عن اللجوء لبعض الأسماء العمال وتصديرها دون معايير صحيحة، وأهلية جديرة باحتلال مواقع قيادية، فبدت العملية صورية، وشكلية.

تعبيرية(فيسبوك)

أكثر من ذلك، وعبر تعميم الفساد المنظم، وسيطرة المافيا “أهل النظام وأتباعه” على مفاصل الاقتصاد السوري، ونهب وتخريب القطاع العام وتحويله إلى قاع صفصف، وواجهات منخورة.. بواقع سيادة نظام استهلاكي متوحش.. وانقسامات فئوية منهجّة لشرخ الوحدة المجتمعية، والعلاقات النقابية، نعلم حجم مأساة عمال بلادنا، وتعاملهم مع يوم العمال العالمي.

اليوم حين نتكلم عن واقع الطبقة العاملة في بلادنا، قبل الثورة وبعدها سنعرف أن تلك الطبقة جرى مسخها تماماً عبر ما يعرف بالاتحاد العام للعمال، وفرض أدوات النظام وأزلامه، وكتبة التقارير والمخبرين في مواقع القيادة، وتحويله إلى جهاز بائس ملحق بدوائر الأمن.

ـ اليوم وقد قام النظام بتدمير معظم المنشآت الصناعية في بلادنا، وتخريب الصناعة، وتعميم حرب الإبادة ضد شتى أنواع الحياة.

وأمام حالات النزوح، والهجرة واللجوء.. فقد حلّت مأساة شاملة بالمجتمع السوري، هي الأكبر والأكثر قسوة بعد الحرب العالمية الثانية، العمال فيها أول وأكبر الضحايا بما في ذلك انحدار جلً الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر، وتعميم الفقر والجوع وسط غلاء فاحش، وموت يومي، وندرة المواد، ونشاط السوق السوداء التي تمسك بها عصابات نهمة، كثيرها يتبع للنظام المافيوزي، العائلي.

ـ اليوم ماذا يقول عمال سوريا في عيدهم، وكثير العوائل فقدت جلً أبنائها، أو تمزقت بفعل الهجرة واللجوء؟؟

أي عيد لعمال سوريا والموت يحصد العشرات يومياً؟؟ والأفق مسدود أمام حل شامل يعيد الأمن والأمان لبلادنا.. المهددة بالتمزق، والتيه في مسارب ومصالح الدول الإقليمية والخارجية.

ـ مع ذلك.. ورغم هذه التضحيات النادرة، فالشعب السوري، في أغلبيته لا يملك خيارات كثيرة، بل إن تصميمه على إسقاط نظام الفئوية والفساد، وإقامة النظام البديل. نظام الحريات العامة والفردية الذي ينعم فيه الجميع بالمساواة.. هو السبيل لإنهاء المأساة، والطريق للاحتفال بعيد عمال حقيقي.. يقدس العمل، ويحرره من كل الموبقات والاستغلال.

مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.