هل من بديل عن “مفاوضات جنيف”؟؟

ما العقبات التي تمنع الوصول لحلّ سياسي والتي تنطلق من طبيعة النظام ومواقفه، وما يلقاه من دعم روسي يتراكب مع عجز الدول الرئيسة عن اتخاذ مواقف صارمة تفرض على النظام الالتزام بالقرارات الدولية؟

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

ليس مفاجئاً ـ أبداً ـ أن تراوح مفاوضات جنيف بجولاتها الثمانية مكانها، وأن لا تثمر سوى العبث والدوران في الفراغ، ومحاولة قتل الوقت واستثماره في متاهات يصنعها النظام كلّ مرة، متجاوزاً ما صرّح به وزير خارجيته منذ سنوات عن” إغراقنا بالتفاصيل” إلى إثبات طبيعته الدموية ـ العسكرية ـ الأمنية ونهجه الذي لا يحيد عنه.

من يعرف تركيبة النظام الأقلوية، الفئوية يعلم يقيناً أنه يعتبر أي موقف إيجابي من الحل السياسي، وقبله من مطالب الشعب السوري، هو تنازل خطير وبداية الانهيار والنهاية له. كان هذا واضحاً منذ انقلاب الأسد وعلى مدار العقود، وواصل فيه وريثه الفرض بطريقة أكثر فجاجة ودموية.

الأقلوية التي نقصد لا تقتصر على الجانب المذهبي الذي أراد توظيفه للبقاء في الحكم، واستثمار وقائع خلقها كي يخيف “الطائفة العلوية” ويعمل على تجنيدها في مشروعه الخطير وحسب، بل وأيضاً ذلك الخوف المكين من الشعب والصوت المعارض الذي يرى فيه فتح ثغرة في نعشه الحديدي الذي أقامه بالقوة والتصفيات والإخضاع، لهذا، وخلافاً لتوقعات البعض عن موقفه من مطالب الثورة السورية وهي في بداياتها، كمطالب عادية وإصلاحية بإمكانية الاستجابة لها، وربما ـ لو استجاب لوفّر على نفسه وعلى البلاد هذا الخراب والدمار الذي يرتدّ عليه اساساً وعلى الوطن سورية بالخصوص ـ فإنه عاجز بنيوياً على فعل ذلك، ويعتبره تنازلاً يجرّ إلى النهاية، فكان الحلّ الأمني ردّه، وخياره الوحيد، والذي يستمر فيه حتى الآن.

ظهرت هذه التركيبة بكل صلافتها وخبثها ومرواغاتها في التعامل مع الحل السياسي الذي أرست شروطه الهيئة الأممية عبر مجلس الأمن بدءاً من قرار جنيف 1/ حزيران 2012 وحتى القرار 2254/ أواخر كانون الأول 2015/، وما بينهما من قرارات أخرى، فمع إعلان قبوله الشكلي بتلك القرارات إلا أنه عمل على تفريغها من أي مضمون، واستهلاك الوقت بمزيد المناورات؛ كي تتحوّل المفاوضات إلى مسلسل استعراضي، عبثي يصطدم على طول الخط بمواقف رافضة لأي تقدم مهما كان جزئياً.

من يعرف تركيبة النظام الأقلوية، الفئوية يعلم يقيناً أنه يعتبر أي موقف إيجابي من الحل السياسي، وقبله من مطالب الشعب السوري، هو تنازل خطير وبداية الانهيار والنهاية له.

قبل تدويل المسألة السورية ووضع اليد عليها من قبل عديد الأطراف الخارجية، خرج علينا المجتمع الدولي بقرار “رفض ومنع الحسم العسكري من قبل الطرفين”(المعارضة والنظام) ورفع شعار ” لا غالب ولا مغلوب”، والإصرار على الحل السياسي كخيار وحيد، وقد وافق الائتلاف، وبقية أطراف المعارضة، على ذلك ليس للاستعراض في جنيف، وإنما للإيمان بأنه الطريق الأسلم، والأقل كلفة لحل المسألة السورية والوصول إلى النظام البديل لنظام الاستبداد والفئوية والفساد، فكانت جولات جنيف(2014) التي ساهم فيها الائتلاف وحيداً، ثم مسلسل ذلك المسار وما عرفه من مناقلات ومتغيّرات وتراجعات استهدفت بالأصل التحايل على مضمون بيان جنيف 1 لجهة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، والبدء بالعملية السياسية وفق مراحل ثلاث حدد لها عاماً ونصف بواقع ستة أشهر لكل مرحلة، واصطدام المفاوضات برفض صريح من النظام قاد إلى شيء من انزياحات ( ببصمة روسية واضحة) فيما يعرف ب”السلال الأربع” التي اقترحها ديمستورا، وصدور القرار 2254 وما نصّ عليه من” توسيع التمثيل في وفد المعارضة” بدخول هيئة التنسيق والفصائل العسكرية والمستقلين في مؤتمر الرياض 1 (كانون أول 2015) ثم مؤتمر الرياض 2 (تشرين أول 2017) الذي دخلت فيه منصتي موسكو والقاهرة، ثم إهمال بقية السلال والتمسّك ب”اللجنة الدستورية” التي استهلك عامان من المراوغة لتشكيلها، وعام وأشهر منذ تشكيلها وعقد بضع جولات عبثية جعلتها تعيد سيرة جولات المفاوضات السابقة، عبر التلاعب بجدول الأعمال تارة، وطرح نقاط لا علاقة لها بجوهر مهام اللجنة، إلى محاولة التنصل من مسؤوليته عن الوفد التابع له، ثم محاولات فرض نقاط جديدة حول ما يعرف ب”الثوابت” التي يجب بحثها قبل الشروع في صلب عمل اللجنة الدستورية، ثم الانسحاب وتجميد مواعيد الاجتماعات.

في إحاطة المبعوث الأممي لمجلس الأمن بيدرسون، بعد مجيئه من دمشق، أفكار كثيرة تدلل على فشله في الوصول إلى نتيجة إيجابية بعد زيارته، وإقراره بأن اللجنة الدستورية لن تكون كافية حتى لو سارت الأمور إيجابياً وأنه لا بدّ من أن يترافق ذلك مع بنود ما يعرف ب” البيئة الآمنة” وأهمية عقد صفقة بآلية منتجة تكرّس الحل السياسي، كما تطرّق لقضايا كثيرة مهمة بينما لم يستطع أن يحدد موعداً لانعقاد الجلسة القادمة للمفاوضات محمّلاً النظام المسؤولية الرئيس في التعطيل.

تناولنا مراراً العقبات التي تمنع الوصول لحلّ سياسي والتي تنطلق من طبيعة النظام ومواقفه، وما يلقاه من دعم روسي يتراكب مع عجز الدول الرئيسة عن اتخاذ مواقف صارمة تفرض على النظام الالتزام بالقرارات الدولية، وأشرنا مراراً إلى غياب الموقف الأمريكي الواضح والحازم وأثره على بقية الدول الأوربية وغيرها من المحسوبين على أنهم أصدقاء الشعب السوري.

جميع المؤشرات الراهنة تؤكد أن المحتل الروسي، ومعه إيران والنظام طبعاً مصرّون على إجراء الانتخابات الرئاسية في حزيران القادم بما يعني تكريس استمرار النظام المجرم برأسه القاتل وكأنّ شيئاً لم يحدث في سورية من قتل ما يزيد عن مليون شهيد.

ـ في جميع الحالات، وعلى فرض حدوث ” مفاجآت” غير منظورة في الموقف الدولي، او تحوّلات نوعية تفضي إلى وضع العملية السياسية على سكة الإنجاز، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه علينا، في الائتلاف وغيره من قوى المعارضة: هل نملك خيارات أخرى؟، وأصلاً ألا يحتاج تعزيز مواقفنا إلى الاستناد على قاعدة قوية هي بالنتيجة شعبنا بفعالياته وتشكيلاته السياسية المنضوية بالثورة؟؟.

نعم يجب أن تكون لدينا بدائلنا وشروطها موجودة في شعبنا ضمن المناطق المحررة وأماكن اللجوء، بل وفي المناطق التي يسيطر عليها النظام وسلطات الأمر الواقع، وهناك أفكار واقعية كثيرة تطرح نفسها علينا، وتدعونا، بمشاركة واسعة من فعاليات وخبراء شعبنا أن نتوصل إليها وبلورتها في برنامج عمل نشرع في تنفيذه منذ الان، خاصة وأن جميع المؤشرات الراهنة تؤكد أن المحتل الروسي، ومعه إيران (والنظام طبعاً) مصرّون على إجراء الانتخابات الرئاسية في حزيران القادم بما يعني تكريس استمرار النظام المجرم برأسه القاتل وكأنّ شيئاً لم يحدث في سورية من قتل ما يزيد عن مليون شهيد، وأكثر منهم من الجرحى والمعطوبين، ناهيك عن عشرات آلاف المعتقلات والمعتقلين والمفقودين والتدمير الشامل والجزئي لمعظم البلاد، ولجوء، وهجرة أكثر من نصف الشعب السوري.

مقوّمات البديل متوفرة تنتظر البدء، لهذا قرر الائتلاف الدعوة لورشة خاصة يشارك فيها عدد من السياسيين والخبراء والمختصين لبحث هذا الوضع وسبل التعامل معه، والخروج ببرنامج عمل واقعي يقدّم لشعبنا البديل المطلوب، ويدعوه للمساهمة فيه بكل فئاته وقواه وتشكيلاته ومكوّناته.

المزيد من المشاركات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.