هل من أمل باجتماع اللجنة الدستورية؟؟

النظام السوري وبضغط من روسيا، وافق على استئناف جلسات اللجنة الدستورية في 24 آب، لكن يبقى المهم ما سيحدث فيها، فهل ينصاع النظام لبرنامج العمل المقرر من قبل الأمم المتحدة، ويوافق على الدخول في صلب العملية السياسية؟، أم سيبقى يراوغ ويناور ويلتفّ؟

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

نظرة سريعة على مسار العملية السورية منذ العام 2014 وحتى الآن تُظهر أنها راوحت في مكانها، ولم تحرز أي تقدّم، وأن النظام السوري المجرم ظلّ محمياً ليس بالحليف الروسي وحسب، بل بغياب موقف دولي حازم يدفع ذلك النظام إلى الانصياع لقرارات الشرعية الدولية والدخول في صلب عملية الانتقال السياسي.

ـ وافق الائتلاف عام 2014 على الدخول بالعملية السياسية وفق بيان جنيف 1، وبعد خلاف داخلي قوي، ووسط ترحيب دولي وعربي وإقليمي كبير، ووعود مشبعة ببذل جهد القوى الدولية لفرض تطبيق بيان جنيف 1، وقد بذل الدكتور الأخضر الإبراهيمي، الوسيط الدولي، جهوداً متميزة لوضع ذلك البيان موضع التطبيق، وكان ضمنياً يعرف طبيعة النظام السوري، ويدرك بالقطع رفضه لأي خطوة سياسية، وإصراره على الكل الأمني ـ الدموي ـ العسكري، ويبدي تعاطفاً مع مطالب الشعب السوري، وظهر جليّاً أن النظام يتملّص، وأن روسيا تساعده بذلك لدرجة استخدام الفيتو مراراً، وتشجيعه على تعنته، ومحاولات تمييعه لإنجاز أية خطوة عملية، مما دفع الإبراهيمي للاستقالة، وتعيين ديمستورا خلفاً له.

****

خلال تلك الفترة القصيرة حدثت تحولات بارزة في الموقف الدولي بشكل عام، والأمريكي منه بوجه خاص اتسمت بالدحرجة لبنود بيان جنيف 1، وعمليات الانزياح المتتالية والتي استندت إلى تفاهم أمريكي ـ روسي حول ما يعرف بالاتفاق على نزع وتدمير السلاح الكيماوي للنظام إثر إقدامه على مجزرة جماعية في الغوطتين الشرقية والغربية بوجه الخصوص بتاريخ 21 آب 2013 راح ضحيتها نحو 1400 جلّهم من الأطفال والنساء، وكان منظر الأطفال بجثثهم المختنقة يقرع ضمير العالم، فقرعت أمريكا ولأيام طبول الحرب لمعاقبة النظام على جريمته التي “تجاوز فيها الخطوط الحمر” التي طالما تحدث عنها الرئيس الأمريكي السابق أوباما، وبأنه لن يسمح للنظام باستخدام السلاح الكيماوي، وإن فعل سيعاقب فعلاً، (وقد فعلها)، واستنفر العالم انتظاراً لردّ الفعل الأمريكي، ووقف العالم على رأسه لأيام، وقد أعلنت عدة دول أوربية وإقليمية استعدادها للمشاركة في حملة “تأديب” النظام، وذهبت التحليلات والتوقعات مذاهب شتى حول طبيعة تلك الضربة المنتظرة، وهل ستكون حاسمة تؤدي إلى إسقاط النظام الذي قام بذلك الفعل الإجرامي الموصوف ؟، أم ستكون مجرد ضربة تأديبية ؟..

ـ اختلف السوريون المكسوبون على المعارضة بين مؤيد ومعارض، وارتفعت سخونة المواقف، وحدث شدّ شعر قوي بين الاتجاهين.. وفجأة.. كان الاتفاق بين روسيا وأمريكا.

ـ الاتفاق الذي أُعلن أنه يخصّ السلاح الكيميائي الذي يمتلكه النظام لنزعه وتدميره، وتشكيل فريق للمراقبة منعاً لأي إنتاج له، تبيّن أنه أشمل، وأعمق، وأنه تناول قضايا مختلفة تخصّ الشأن السوري، ومسائل عالمية أخرى، وأن ما يهمنا هنا، وكما أثبتت الأيام التالية، أن أمريكا أطلقت يد روسيا في الملف السوري، وأخذت بالانسحاب التدريحي، ثم الكامل منه، وبرز ذلك في اجتماع فيينا 1، وفيينا2 الذي حدث فيهما انزياح واضح عن جوهر بيان جنيف 1 خاصة لجهة ركيزته الأساس في تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، والبدء بالتطبيق وفق مراحل ثلاث تنتهي بإقامة نظام جديد.

ـ الأكثر من ذلك أن ذلك الاتفاق السري قضى بدخول القوات الروسية إلى سورية لحسم المعركة لصالح النظام، وهو ما حدث في 15 أيلول 2015 حين دخلت روسيا قوة محتلة، أنقذت النظام من الانهيار، ومارست سياسة الأرض المحروقة بأحدث الأسلحة التي تمتلكها وضدّ البنى التحتية للمناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة، واستهداف الحواضن الشعبية قتلاً تحت الأنقاض، وهروباً من الجحيم، وبهدف الضغط على الفصائل المسلحة كي تنسحب.. وصولاً إلى إصدار القرار 2254 الذي نصّ على إشراك ” منصّات” غير ممثلة للمعارضة، وحدد اثنتين منها(موسكو والقاهرة)، وكان الهدف ليس إضعاف الائتلاف وروحانية تمثيله في المفاوضات وحسب، وإنما الضغط عليه لتغيير مواقفه، خاصة الثوابت منها التي ظلّ متمسكاً بها، والمتعلقة برفض أي دور لرأس النظام وكبار رموزه من الملطخة ايديهم بالدماء مع بدء العملية الانتقالية السياسية.

****

ديمستورا وتحت يافطة تحريك العملية السياسية ” اخترع” ما يعرف بمجموعات العمل التي رفضها الائتلاف وكان ما يزال المفاوض الوحيد، ثم انتقل منها إلى “السلال الأربع” والتي كانت تبدأ بعملية التحول السياسي، فمحاربة الإرهاب، فاللجنة الدستورية، فالانتخابات الرئاسية والتشريعية كنتيجة، وتحت رقابة مباشرة من الأمم المتحدة.

ـ تزحلقت السلال الأربع، وفي حين اعتبرت “سلة محاربة الإرهاب” قد تحققت، غابت السلة الرئيس الخاصة بهيئة الحكم الانتقالي لأسباب غامضة، وتمحورت الأمور حول اللجنة الدستورية.

حصل ذلك بعد سلسلة من التطورات التي كان المحتل الروسي الفاعل الرئيس فيها عبر إلحاق مزيد الدمار والقتل في المناطق التي كانت تحت سيطرة الفصائل المعارضة، وإجبارها على الدخول في مسارب لقاءات أستانة وما عرف بمناطق خفض التصعيد، ومحاولات المحتل الروسي لاستبدال هيئة المفاوضات العليا بوفد الفصائل، وتقديم مشروع دستور جاهز لسورية وقد رفض ذلك الوفد الأمرين، وكان للموقف التركي الداعم لموقف المعارضة أثره في تلك النتائج، وفي محاولة عدم استبدال لقاءات أستانة بجنيف.

ـ يجب التنويه هنا أن تلك التطورات المتعاقبة ترافقت مع إيقاف الدعم الغربي اللوجستي وفي السلاح للفصائل، ثم إغلاق غرفتي الموم والموك، وترك تلك الفصائل وحيدة في مواجهة جحيم القصف الروسي والنظام وإيران، وصولاً إلى قضم مناطق خفض التصعيد، وتلك التي أبرمت فيها اتفاقات خاصة وخارج لقاءات أستانة كالغوطتين الشرقية والغربية، والوعر في حمص، وصولاً إلى ما حدث في الجنوب مما يعرف بالمصالحات.

ـ لقد رفض الائتلاف، ومعه الهيئة العليا للمفاوضات حضور مؤتمر سوتشي، لكنه تعامل مع مخرجاته بواقعية، يسانده في ذلك موقف تركي يلتقي مع أطروحات المعارضة، والبدء بتشكيل ما يعرف باللجنة الدستورية التي استمر الانتهاء منها ما يقرب العام بفعل تلاعب النظام ومحاولاته تمييع أية نتائج يمكن أن تلزمه أممياً، في وقت استمرّ متمسكاً بنهجه الأمني، العسكري، الدموي ووسط أجواء أقرب للمسرحية حول الضغط الروسي وحدوده لفرض حضور النظام جلسات اللجنة الدستورية، وإنجاز بعض الخطوات كانتخاب رئيسين مشتركين أحدهما من المعارضة والآخر من النظام، وحصول بعض اللقاءات التي حوصر فيها وفد النظام المطالب بالتفاعل مع جدول الأعمال، وبالإجابة عن أسئلة واضحة كان المندوب الجديد للأمم المتحدة/تيرلسون/ يطرحها.

ـ تملّص النظام من استمرار جلسات اجتماعات اللجنة بمناورة مكشوفة الغاية منها حرف اللجنة عن جوهر أهدافها بطرح جدول أعمال مختلف، ثم رفض المواظبة، وسط شبه إجماع دولي على أنه كان السبب الرئيس، وأن وفد المعارضة قدّم كل الأوراق المطلوبة منه، وأعلن استعداده للتعامل مع مختلف الموضوعات بروح إيجابية.

ـ هنا يجب التذكير بأن معظم دول العالم المعنية بالشأن السوري، وبفعل الدور المركز لهيئة المفاوضات السورية، باتت مقتنعة أن أي تقدّم على صعيد اللجنة الدستورية لن يكون كافياً ما لم يترافق مع تطبيق بنود ما يعرفل ب”البيئة الآمنة” والتي تعني بمفرداتها مجمل البنود التي وردت في بيان جنيف 1 كمهام لهيئة الحكم الانتقالي، وبدءاً بإطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين جميعاً، والكشف عن مصير المفقودين، والسماح لقوافل الإغاثة الدولية بالوصول غلى مختلف المناطق السورية دون عرقلة من النظام، ثم بناء جهاز أمن مختلف تكون مهامه الرئيس حماية أمن الوطن والمواطن، وإعادة النظر بالمؤسسة العسكرية، ومعالجة أوضاع الضباط والجنود المنشقين، والفصائل المسلحة، وهي البيئة الضرورية لقيام انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة تحت إشراف مباشر من الأمم المتحدة.

****

النظام السوري وبضغط من روسيا، كما يقال، وافق على حضور، أو استئناف جلسات اللجنة الدستورية في 24 آب، لكن يبقى المهم ما سيحدث فيها، فهل ينصاع النظام لبرنامج العمل المقرر من قبل الأمم المتحدة، ويوافق على الدخول في صلب العملية السياسية؟، أم سيبقى يراوغ ويناور ويلتفّ؟؟؟

لا شكّ أن الأمر مرتبط بالقوى الفاعلة، المؤثرة عليه، وعلى القرار الدولي، خاصة روسيا، بانتظار ما ستسفر عنه هذه الجولة التي نأمل ألا تكون كسابقاتها..

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.