هل لمبادرات عقد “مؤتمر وطني سوري” فرصة للنجاح؟ (1/2)

10
بقلم: حازم نهار

المؤتمر الوطني السوري، ما دلالات هذا المفهوم الذي ظهرت في الآونة الأخيرة، مبادرات عديدة لعقده؟ وهل نضجت الظروف لذلك؟ وماهي ظروفه الذاتية والموضوعية؟، في هذا المقال، للكاتب حازم نهار، سنحظى بالأجوبة على كثير من الأسئلة حوله، فلنقرأ معًا

شاع تعبير “المؤتمر الوطني السوري” عند كثيرين، خلال السنوات الماضية، وعاد اليوم إلى الظهور بوجود مبادرات متعدِّدة من جهات متنوعة لعقده. وعلى الرغم من أنه ليس من حق أي فرد أو جهة التشكيك في نيات الساعين له، ولا بدّ من الإقرار بنياتهم الإيجابية، إلا أن من حق الجميع وواجبهم إبداء رأيهم بالمبادرات هذه، من حيث كفايتها وكفاءتها لإنجاحه، بل والتعبير عن الخوف من أنها قد تؤدي إلى تراكيب سياسية جديدة، هشّة وضعيفة ومعيقة، وتزيد الطين بلة. لذلك تركز المطالعة التالية، بصورة أساسية، على شروط عقد “مؤتمر وطني سوري” ناجح مستقبلًا.

في المفهوم ودلالاته ومتطلباته

تُضاف عادة إلى تعبير “المؤتمر الوطني السوري” كلمة أخرى في نهايته، طمعًا في مزيدٍ من التوصيف، أو “تكبير الحجر”، مثل كلمة “العام” أو “الشامل” أو “الجامع”، وهي مفرداتٌ لا تضيف شيئًا، لأنها لا تختلف عن مفردة “الوطني” الواردة أصلًا في المصطلح نفسه، فليس من معنى لمفردة “الوطنية” إلا العمومية أو الشمولية، إلا إذا كان المبادرون يستخدمون كلمة “الوطنية” في السياق هذا بمعنىً أخلاقي مضاد لكلمة “العمالة”، وهذا خطأ كبير.

من المهم الإشارة إلى أن تعبير “المؤتمر الوطني السوري” يعني أن المؤتمر معنيٌّ بأغلبية السوريين في الحد الأدنى، فهو للسوريين كلهم، وليس لأهل الثورة فحسب. وينبغي في الدعوة إليه التصريح بهذا على أقل تقدير، ولكن ينبغي أيضًا التصريح باستبعاد المتورّطين في القتل والفساد، خصوصًا نظام الحكم وأركانه. لا يمكن لمؤتمر يحمل الصفة الوطنية أن يُستثنى منه أي جهة أو تيار، وإلا كفَّ عن كونه مؤتمرًا وطنيًا سوريًا.

إذا ضمنا حيازة “المؤتمر الوطني السوري” رضا قطاع مهم من المعارضة والثورة، وهذا مستبعدٌ في اللحظة الحالية، هل يمكن أن يحظى بمباركة القطاعات الأخرى التي ابتعدت عن الثورة أو أدارت لها ظهرها؟ إذا لم تشارك قطاعاتٌ من البعثيين والقوى السياسية والاقتصادية الأخرى في المجتمع السوري، هل يبقى الاسم المستخدم للمؤتمر “المؤتمر الوطني السوري” صالحًا؟ لا يمكن، مثلًا، في مثل المؤتمر هذا استبعاد البعثيين أو الإسلاميين أو غيرهم، ولا نجاح لمؤتمر وطني من دون وجود كتلةٍ من رجال الأعمال، ومجموعة من المثقفين البارزين وغيرهم. كذلك، لا بدّ من الإشارة إلى وجود قطاع مهم من السوريين لن يعنيه المؤتمر اليوم، ولن يتفاعل معه، بحكم أن هواجسه معلقةٌ بالحياة اليومية وصعوبات العيش وتأمين مستلزمات البقاء، تلك التي لا يستطيع أي “مؤتمر”، أيًا كانت صفته، تأمينها اليوم، أو اتخاذ القرارات الفاعلة في حياة الناس على هذا المستوى في اللحظة الحالية.

في سياق خلط المفاهيم، يشيع أيضًا تعبير “المؤتمر الوطني الكردي”، ولا ندري ما تجسيده الواقعي وحدوده، هل هو خاص بالحركة الكردية في سورية، أي بالأكراد السوريين، أم بالحركة الكردية والأكراد في البلدان التي يتوزّعون عليها؟ استخدام التعبير هذا للدلالة على مؤتمر يجمع الأكراد السوريين يثير البلبلة والتشويش، فتعبير “المؤتمر الوطني” مرتبطٌ بالسوريين جميعهم وليس بالأكراد السوريين فحسب، ويمكن للحركة الكردية أو الأكراد السوريين أن يختاروا أسماء أو تعابير أخرى تتوافق وواقع الحال، وتكون أكثر انسجامًا مع المنطق السياسي.

لا بدّ أيضًا من الإشارة إلى أن “المؤتمر الوطني السوري” المأمول مستقبلًا ليس تجمعًا لما تسمى “المكونات” الدينية والطائفية والإثنية. مثل هذا المؤتمر، إن حصل، يليق به أن يكون مؤتمرًا يُعلن نهاية الوطنية السورية والوطن السوري لا العكس. يعني “المؤتمر الوطني السوري” الإعلاء من شأن “الوطنية السورية” أولًا، والذهاب نحو بنائها من جديد على أسس سياسية ديمقراطية، وهذا يحتاج إلى جهد ثقافي وفكري، يسبق أي مؤتمر ذي عنوان وطني، لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية على أسس جديدة.

شروط موضوعية وذاتية

لتتحول أي فكرة أو مبادرة إيجابية، مثل “المؤتمر الوطني السوري”، إلى حقيقة منتجة، تحتاج إلى تضافر وتزامن شرطين ضروريين، موضوعي (العلاقات الإقليمية والدولية المحيطة، أحوال عموم السوريين ومزاجهم الراهن، حال النظام السوري، ميزان القوى بمعناه الشامل… إلخ)، وذاتي (أحوال القوى السياسية وسائر التعابير والتشكيلات السياسية والثقافية). وببساطة، يمكن اكتشاف أن الأحوال الموضوعية غير داعمة حاليًا لهذا الخيار، كما يمكن القول إن تحسين الشرط الذاتي يحتاج إلى جهد كبير على المستويات كافة، يسبق عقد مثل هذا المؤتمر، ويراكم الطاقات في الاتجاه الصحيح. وهذا معناه أن أفكارا إيجابية كثيرة، حتى لو توفرت الصدقية والنيات المخلصة، مصيرها الفشل، في حال عدم التقاط اللحظة السياسية الملائمة.

يتمثل الشرط الموضوعي لإنجاح وفاعلية لقاء بعنوان “المؤتمر الوطني السوري” بتوفر مجموعة من المعايير الضرورية. وببساطة، يمكن القول إن أيًا من الشروط أو المعايير الموضوعية غير متوفر في الحالة السورية، فأي مؤتمر وطني يحتاج إلى اختيار لحظة ملائمة للإعلان عنه وعقده، وعمومًا تُعقد المؤتمرات الوطنية في اللحظات الانتقالية، عندما يكون هناك حدثٌ نوعيٌّ ما، مثل سقوط نظام أو وصوله فعلًا إلى حافة السقوط، وجود توافق دولي بشأن مصير بلد ما، نضج الحوار الداخلي في المجتمع المعني إلى درجةٍ توحي بالاتفاق على تغيير نظام الحكم، أو وجود دعوة حقيقية من السلطة الحاكمة، في لحظة ما، لمواجهة أزمة كبيرة تعصف بالبلاد، داخليًا أو خارجيًا، ما يعني أن لحظة عقد “المؤتمر الوطني” ينبغي أن تكون فاصلة بين وضعين أو حالين مختلفين نوعيًا. أي يفترض أن تنتج بعده حالة نوعية مغايرة لما قبلها، وإنْ لم يتمخض تغيير حقيقي، فإننا لن نكون فعلنا شيئًا سوى تسفيه هذا المصطلح المتبقي أو قتله. الخوف كل الخوف من ضياع هذا المصطلح “المؤتمر الوطني السوري” مثل سائر المصطلحات والتعابير السياسية التي تعرّضت للابتذال والتسفيه والإفراغ من مضمونها خلال السنوات السابقة.

أما الشرط الذاتي، فيتمثل في أحوال القوى والفئات السياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمع المعني، من حيث مستوى تنظيمها ودرجة توافقها على أساسيات أو عناصر حاسمة في بناء الدولة والمجتمع، أو حصول توافق عام على شخصياتٍ تصلح لأن يُطلق عليها صفة “شخصيات وطنية”.

وأيضًا يمكن أن نكتشف، ببساطة، أن المجتمع السوري اليوم ممزّق وفقًا لتقسيمات متنوعة؛ موالين ومعارضين، علمانيين وإسلاميين، أكثريات وأقليات وفق المعايير القومية والدينية، فضلًا عن انقسام القوى والشخصيات السورية استنادًا إلى الولاء أو الارتباط بالدول المتدخِّلة في الشأن السوري.

لذلك، “المؤتمر الوطني السوري” هو اليوم هدفٌ أكثر من كونه وسيلة، بمعنى أننا ما دونه بمراحل عدة، وللوصول إلى هذا الهدف هناك شروطٌ ينبغي توفرها، موضوعيًا وذاتيًا. إنه “تتويج” لعمل أساسي وضروري ينبغي توفره أو القيام به، وليس “مؤسسة” عليها عبء صناعة الشروط التي تنقصنا، أي ليس وسيلة يمكن، من خلالها، اليوم، بناء كل ما قصّرنا في بنائه طوال السنوات الماضية. عند توفر الشروط الأساسية، موضوعيًا وذاتيًا، يصبح في الإمكان عقد مؤتمر وطني سوري، يكون بمنزلة الوسيلة التي تعمل على استكمال شروط إعادة بناء الدولة والمجتمع في سورية.

يدل السعي إلى عقد “المؤتمر الوطني السوري” في اللحظة الحالية على: أولًا، القفز عن المهمات الأولية الضرورية لنجاحه، بل والتقاعس عن إنجاز الأعمال الضرورية المتراكمة طوال السنوات الماضية على المستوى الذاتي. وثانيًا، استمرار سيطرة العقل التجريبي الذي ينقلنا من تجربة إلى أخرى، من دون تخطيط أو اهتمام بحسابات الجدوى أو النجاح في المستقبل. وثالثًا على يأسنا من إنجاز ما هو مفيد على صعد كثيرة، ما يجعلنا نقول إن عقد “مؤتمر وطني سوري”، في اللحظة الحالية، لا يزيد على كونه “ضربة يائسٍ أو عاجز”.

لا بأس في التواضع قليلًا، وعقد لقاءات تشاورية وحوارية بنّاءة، وبناء تشكيلات سياسية وثقافية واقتصادية متماسكة وناجحة، كخطواتٍ على طريق عقد “المؤتمر الوطني السوري”.

الجهة الداعية

يأتي أي مؤتمر وطني نتيجة تداعي قوى وجهات وشخصيات عديدة في الوقت نفسه، شعرت بالحاجة إليه فعليًا، ونضجت رؤاها بدرجةٍ عالية تمنعها من “النطوطة” أو الانتقال من ضفة إلى أخرى، أو الدخول في رهاناتٍ وتكتيكات متعدّدة ومتعارضة ومؤقتة، خصوصًا ما يتعلق منها بالدول؛ أي يكون المؤتمر المأمول تتويجًا لتداعي أوسع طيفٍ ممكن من السوريين الذين يرون في عقده خطوة إنقاذية، فيسهمون بفاعلية في إنجاحه، ولا يكون عَقدُه تلبيةً لدعوةٍ من مجموعة أو تيار منهم فحسب، فعندما تأتي الدعوة إليه من شخص أو مجموعة أشخاص ستكون نقطة مقتله، وتفقده صفته الجوهرية: الوطنية، وسيتحول بالضرورة، بغض النظر عن نيات الأفراد الإيجابية، إلى مجموعة خاصة بشخص أو مرتبطة به أو إلى مجموعة سياسية جديدة لا تزيد حظوظها على التشكيلات الأخرى.

سيتحول “المؤتمر الوطني السوري” في حال عقده تحت هذا المسمّى، في اللحظة الحالية، إلى منصّةٍ سياسيةٍ مثل بقية المنصات، ولن تزيد وظيفته أو تأثيره على إرسال مندوب أو أكثر إلى لقاءات أو تجمعات أو تشكيلات “أوسع” برعاية إقليمية أو دولية، للعمل وفق الآليات التي عُقد المؤتمر الوطني أصلًا لمحاربتها.

عندما نعلم أيضًا أن هناك جهاتٍ متعدّدة تسعى إلى عقد “مؤتمر وطني سوري”، وكل منها تنسب إلى نفسها الصلاحية والمشروعية، نكون أمام كارثةٍ حقيقية، إذ لا يختلف اثنان، بالتأكيد، على أنه في حال كانت لدينا عدة مؤتمرات وطنية سورية، فإنها ستكون مسرحياتٍ ساخرة تزيد من الإحباط العام، فضلًا عن كونها كوارث جديدة تضاف إلى رصيد المعارضة السياسية السورية.


حازم نهار، كاتب وباحث سوري.

مصدر المقال منشور في صحيفة العربي الجديد بتاريخ 3 شباط/ فبراير 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.