هل سيصبح أغلبية شباب سوريا “عانساً”

الزواج في سوريا بين الشروط التعجيزية وعزوف الفتيات عن الزواج

65/ بالمئة نسبة ازدياد عدد الفتيات بلا زواج في سوريا، هذه الأرقام تنذر بكارثة مستقبلية على شباب سوريا وفتياتها، وبحسب تقرير مديرية النفوس في دمشق في السنوات الأخيرة، فإن هناك أكثر من نصف مليون امرأة فوق الثلاثين بلا زواج!

الأيام السورية؛ زهرة محمد

تتوالى المصائب على أبناء سوريا منذ سنوات، بين قتل وحصار وتهجير ولجوء واعتقال، وحرب لا ترحم كان همها الوحيد حصد المزيد والمزيد من الشباب والأهالي، بات الشباب السوري معلق بين موتين، موت يقضي على الجسد، وموت غربة وتشريد وفقر يقضي على الروح!

في ظل هذه الصورة، لم تكن تفاصيل قضايا الزواج والاستقرار بعيدة عن الواقع الذي نعيشه، فقد بات الشباب السوري يوما بعد يوم يعيش قصة أمل بغد أفضل يأتي بعروس الحلم تلبس فستانها الأبيض، لكنهم اصطدموا بحواجز لا تنته من الشروط والظروف القاهرة التي أحالت الزواج على ما يبدو لكابوس مرعب لا حلم!

دمشق مدينة النساء!

في دمشق وحدها بلغت نسبة الزواج أقل من 45 بالمئة من السابق حسب تقارير نشرتها وسائل إعلام النظام السوري، وأكّدها القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي، في عام 2019 وقد ارتفع العدد كثيرا في 2020 بسبب الانهيار الاقتصادي الذي تشهده دمشق.

وأسوة بغيرها ورغم أنها تحت سيطرة نظام الأسد، إلا أنها نالت حظها من المواجع والقهر، فأصبحت المدينة مدينة النساء بامتياز، مع لجوء الشباب إلى الخارج خوفا من زجهم في معركة القتل، ووجود آخرين بشكل إجباري ضمن قوات النظام، ومع استمرار الوضع الهستيري الذي تعيشه دمشق منذ فترة، والغلاء الذي يحاصر الأهالي، هذا كله جعل من الزواج كابوسا حقيقيا لكل من يسعى لهذه الخطوة التي باتت كالبحث عن سراب لا طائل منه.

تقول أم العز 47 سنة لديها ابنة عشرينية وهي من سكان مدينة دمشق، إن الوضع في دمشق صعب للغاية حيث بات الشاب لا يستطيع التفكير في موضوع الزواج مطلقا، وأصبح يفضل تمضية وقته على مواقع التواصل الاجتماعي وطلب الصداقات والتحدث مع الفتيات لعدم استطاعته الزواج والخطوبة وحتى عيش قصة حب حقيقي لها نهاية، رغم أن بعض الأهالي يسهلّون كثيرا في تزويج بناتهن، ولا يطالبون بمهور كبيرة، أو حتى الشروط الأخرى كالذهب والعرس.

“عن نفسي أريد زوجا لابنتي خلوقا وعلى دين، ولا أبحث عن المال مطلقا، تقول أم العز، وأكملت “الفتيات والشباب باتوا يستبعدون فكرة الزواج مع كل عقبة باتت تعترضهم، وقد يظنها البعض مستحيلة مع استمرار الغلاء وقلة العمل بهذا الشكل”، وأضافت بأن “بعض الأهالي يضطرون لتزويج بناتهن لخارج سوريا نظرا لعدم وجود شباب في دمشق بسبب خوفهم من تزويجهن لشباب التحقوا بالجيش الإجباري، وفي حال كان كل ذلك مستحيلا يضطر الأهالي لتزويج الفتيات لعسكري، وهذا يعتبر نوعا من الانتحار لكل فتاة فقد يقتل أو يذهب دون رجعة قي ظل ما يجري”.

صورة تعبيرية(جريدة السياسة)

وأوضحت أم العز أن وجود ابنتها بلا زواج أسهل عليها من زواجها بشاب قد تكون حياتها معه صعبة للغاية، ولكنها تحلم بتزويج ابنتها رغم كل شيء ككل فتاة تزوجت وحققت حلمها بالاستقرار وتكوين أسرة فحلم الأمومة حلم يراود كل فتاة في عمر الزواج.

أما ولاء (اسم مستعار) 23 سنة من مدينة دمشق فترى أن شروط زواجها بزوج المستقبل باتت أقل مقارنة مع ما كانت تحلم قبل سنوات، فحسب قولها لم تعد كل تلك الأحلام قابلة للتحقيق أبدا، بعد رغبتها بزوج لديه شقة مستقلة قبل سنوات، ولكن مع ما يجري في دمشق وقلة فرص الزواج وهجرة الشباب وصعوبة الحياة فهي ترى أن العيش في شقة متواضعة مستأجرة بات جيدا جدا في ظل كل الصعوبات، وأنها سوف تكون عونا له في عملها لأن الحياة دون عمل الزوج والزوجة أصبحت من ضروب المستحيل!

وأوضحت أنه في حال استمرار صعوبة الزواج بهذا الشكل ووضع شروط تعجيزية من قبل الأهالي ولجوء البعض الآخر، سوف يكون الوضع كارثيا بكل معنى الكلمة فكل شاب وفتاة يحلمان بالاستقرار لو طال بهما الأمد دون زواج.

ماذا عن الشمال السوري؟

قد لا يكون الوضع بالنسبة للشمال كغيره، لأن المجتمع السوري ما زال رغم كل الموت والقصف والتشرد والتهجير مجتمعا متماسكا، فالمرأة همها الأكبر هو زوجها وأسرتها، وعلى سبيل المحافظة عن كل شيء كما كان قبل الثورة والحرب.

رغم العيش في خيمة، تجد المرأة السورية قد حملت هم بيتها وتربية أبناءها ولو كان على حسابها، ورغم الغلاء والوضع الكارثي الذي يعيشه الشمال، إلا أن مسألة الزواج أقل صعوبة بشكل كبير من المدن الأخرى والخارج بالنسبة للشباب المقبل على الزواج، ورغم تشكي البعض من الغلاء والمهور الكبيرة، إلا أن واقع الحال والكثير من الشهادات أوضحت أن الأسر تلجأ لتزويج بناتها بعمر مبكر أحيانا ولو في خيمة من أجل سترتها، بحسب قولهم، بينما يخاف آخرون زج بناتهن في زواج من شاب يقاتل على الجبهات خوفا على مصيرها المجهول، وقد يضع الخاطب حسب شهادات، مهر العروس بعض قطع الفراش لخيمة في المخيمات، ويوافق عليه الأهل تسهيلا للزواج ورغبة في تكوين أسرة جديدة لابنتهن حسب تعبيرهم.

وأوضحت لواء خطاب 23 سنة طالبة كلية طب وقد خُطبت مؤخرا، أن العادات في إدلب والشمال السوري عموما ما زالت كما هي، وأن الأهالي بشكل عام لا يضعون شروطا صعبة على الخاطب، وأن النسبة الأكثر ليست في ازدياد العنوسة وتأخر سن الزواج بالنسبة للفتاة، بل في ازدياد نسبة النساء الأرامل بسبب استشهاد أزواجهن، وأضافت إن الوضع في الشمال لا ينقصه تصعيب الزواج، بل يجب على الجميع التعاون، كي تستقر الفتاة والشاب على حد سواء.

صورة تعبيرية(إعمار سوريا)

ما الآثار على المجتمع السوري

لا بد أن استمرار الحال كما هو عليه في تصعيب الزواج من قبل ذوي الفتاة والظروف الصعبة التي يعيشها الشباب السوريين سوف تؤول لمستقبل لا ينذر بالخير للمجتمع السوري، الذي يعتبر العائلة لبنة لتأسيس المجتمعات وإعمارها، وقد تكون العنوسة في السنوات المقبلة لجيل الشباب من الجنسين كابوسا سيعيشه بعد سنوات انتظار لفرج لن يأت.

تقول الكاتبة حنين بوظو “الأمر مع الأسف آخذ في الانحدار إن بقيت نظرة الأهل والفتاة للزوج على أنه دفتر شيكات فقط.. أو مارد المصباح.. ستزداد نسبة العنوسة في الداخل والخارج، إن لم نتعامل على هذا الأساس ولم نتعلم من أخطائنا ولم نكن على قدر كبير من الوعي والفكر فهنا الطامة الكبرى، فسوريا لم تعد سوريا صراحة..

ويبقى كل ما يقال لا يوازي حجم المأساة التي يعانيها شباب سوريا الذين ذاقوا ما يكفي بين موت وتهجير وما يزال كل شيء يتآمر على فرصهم لعيش كريم كأي شاب له الحق في الاستقرار وتكوين عائلة في العالم، وبين اليوم والغد هناك سؤال معلق لكل شاب سوري: هل الغد القريب قد يكون معي أو علي!؟ أم لم لا جواب بعد على هذا السؤال؟


المزيد للكاتبة

ألعاب سورية من التراث الجميل.. هل اندثرت؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.